الرئيسية | اتجاهات | الخذلان العربي… عدو آخر/ محمد الحسن أكيلال

الخذلان العربي… عدو آخر/ محمد الحسن أكيلال

 

بعد اثنين وأربعين سنة من تفتق عبقرية النضال الفلسطيني عن فكرة يوم الأرض، ها هي الفكرة تستوي وتنضج معلنة عن نفسها منارة متوجهة تضيء الدرب الحقيقي الموصل إلى تحقيق أهم أهداف الثورة الفلسطينية المتمثل في عودة اللاجئين إلى ديارهم وأرضهم و ممتلكاتهم، التي أخذت منهم بقوة الحديد والنار.

في الثلاثين من مارس لهذه السنة استعاد الوعي الفلسطيني الفكرة وبلورها ولمعّها وقرر تنفيذها كما هي، لقد قرر أخيرًا الإعلان عن مسيرة جماعية لكل اللاجئين من الجهات الأربعة واقتحام السياج الذي وضعه العدو حول أرضه لفرض الأمر الواقع الذي يجب أن يكون حتى ولو اقتضى الأمر التضحية بالأرواح والدماء والأعضاء ليعرف العالم الذي يدعي التحضر والالتزام بالقوانين والمواثيق والأعراف الدولية بأن العدو الذي مارس عليه لمدة سبعين سنة ابتزازًا عاطفيًا بأنه الضحية هو في الحقيقة مجرم خطير ضد الإنسانية وضد السلم والأمن في العالم.

في هذه المرة كشفت المسيرة الاحتجاجية الشعبية الفلسطينية في قطاع غزة عن الوجه الحقيقي للعدو، لقد قابل المسيرة بوضع القناصين على السواتر الترابية ليطلقوا الرصاص الحي على جموع المحتجين العزل من الرجال والنساء والشيوخ والعجائز والأطفال … في يوم واحد أكثر من ستة عشر مواطنا، ويجرح أكثر من ألف وخمسمائة آخرين ذنبهم أنهم أعلنوا العودة إلى ديارهم، العودة التي يضمنها لها (القرار: 194) الصادر عن مجلس الأمن الدولي.

ككل مرة انعقد اجتماع لمجلس الأمن الدولي بطلب من مندوب الكويت، لكنه فشل في اتخاذ القرار بسبب استعمال أمريكا لحق “الفيتو” بكل فضاضة وغلظة؛ وفي أمريكا الأمير “محمد بن سلمان” ولي العهد السعودي الذي وعد رئيسها بتدعيمه في تمرير صفقة القرن التي تنص -ضمنيا- على قبول كل الشروط الصهيونية مقابل رفض كل الشروط الفلسطينية، بتعبير آخر منح كل أراضي فلسطين للصهاينة، وإنشاء دولة للشعب الفلسطيني في مساحة تقتطع من صحراء سيناء على البحر الأحمر قريبة من الحدود السعودية المصرية.

للحقيقة فإن للشعب الفلسطيني ثلاثة أعداء هم: العدو الصهيوني وأمريكا، والخذلان العربي الذي كان منذ البداية، ولكنه كان متواريا وراء حالة الغضب الجماهيري العربي الذي كانت تؤطره قيادات ثورية خرجت من رحم هذه الجماهير، وبتوالي السنين والعقود تعرضت تلك الحالة للإخماد واجتثت تلك القيادات، بعضها بالتصفية الجسدية والاغتيال، والبعض الآخر بالترهيب والترغيب والنصب والاحتيال حتى صفا الجو للعدو لينصب نفسه الصديق الحليف للعرب الحقيقيين كما يصفهم ويستعديهم ضد جيرانهم من المسلمين والعرب غير الحقيقيين كما يسمونهم.

إن الخذلان العربي لم يبدأ في عهد “ترامب” الذي يجب الإقرار له بتقديمه خدمة جليلة للأمة الإسلامية جمعاء، والعربية كلها، وللشعب الفلسطيني بكل أطيافه، لكونه كان جريئًا وصريحًا عكس كل أسلافه المنافقين، وخاصة خلال العقود الثلاثة الماضية، فالرجل اتخذ قرارًا أوصى به برلمان بلاده، وأصبح قانونا ملزما لإدارة بلاده، ومنح أرض فلسطين ليهود العالم قرار صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومدينة القدس جزء من أرض فلسطين؛ مشكلة العرب أنهم ظنوا أنفسهم ذات يوم أنهم أمة دون الأمة الأم التي أخذت اسمها من الدين الإسلامي الحنيف {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران: 110]، وبعد فوات الأوان، وبعد التشظي والتمزق والتفتت والاختلاف مع الإخوة والتآلف مع العدو ظهر للبعض أن الوقت لم يفت، وبالإمكان العودة إلى ما كان، فاليهود باعتبارهم من القبائل التي تواطنت وتساكنت معهم في شبه الجزيرة يمكن استيعابهم مرة أخرى، وبناء شرق أوسط جديد بهم يعاد له أمجاده في عهد النبي الملك سليمان عليه السلام. لقد ظن هؤلاء أن هؤلاء مواطنون بيض، لكنهم عنصريون من أوطان تقع أغلبها في القارة الأوروبية التي بادرت في أكثر من مرة إلى استئصال شأفة الدين الإسلامي في عقر داره، وأنهم هم بنظامهم الاقتصادي الربوي من بلور الفكر الرأسمالي الإمبريالي حتى أصبح عقيدة ظاهرها الحرية، وحقوق الإنسان، وباطنها الصهيونية، والاستعمار والاستغلال الذي بدأ بالإبادة الاجتماعية لشعوب بأكملها في القارة الأمريكية، ثم في آسيا وإفريقيا.

يا هؤلاء استيقظوا وتفطنوا إلى الخدعة التي بدأت عام 1916م التي تعاد قراءتها وتصحيحها حاليا، وإعادة تقسيم الشرق الأوسط التي بدأت بالعراق وسوريا لن تتوقف فيهما، بل ستتواصل وتمتد إلى كل أراضي شبه الجزيرة العربية وشمال إفريقيا، لأن هؤلاء الذين تتملقونهم وتتزلفون لهم لكسب رضاهم والتحالف معهم لا ثقة لهم فيكم ولا ذمة، فالمشروع الذي أوجدهم في المنطقة كان وما يزال باقيا بقاء الأسباب والعوامل الإستراتيجية  والاقتصادية والسياسية والأمنية لكل أعداء الأمة الإسلامية التي تواجدت على هذا الجزء من العالم الذي يعتبرونه مجالهم الحيوي لما فيه من موارد وثروات، وطرف التجارة بين القارات.

فلسطين كانت وما تزال وستبقى الأرض التي اختارها الله عز وجل لتكون محل الصراع بيننا وبينهم، والصراع مهما حاولتم تجاهله وتجاهل وسائله وأدواته، فهو صراع يعتمد على القوة، كل القوة، وأول الخذلان في التنقل لقول الله عز وجل: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60].

إن الخذلان العربي للشعب الفلسطيني أعلن عن نفسه عام 1982م باكتساح العدو الصهيوني لبيروت، وإبادة اللاجئين الفلسطينيين في مخيمي “صبرا” و”شتيلا”، ثم في عام 2006م وقفت المقاومة لوحدها في وجهه، واستطاعت أن تحقق النصر الذي أزعجهم؛ وفي عام 2013م بالهجوم على قطاع غزة وحصاره الذي ما زال إلى اليوم، وبدل الوقوف مع هؤلاء الأبطال عوملوا معاملة الأعداء بالشماتة والاستهزاء من بطولاتهم، وبقي الحصار على ما هو عليه، ليس من طرف العدو الصهيوني لوحده، بل حتى من أقرب جيرانهم دما ودينا وثقافة ولغة.

إن أخطر عدو لكم أيها الفلسطينيون حاليا هو الخذلان العربي الذي لم يعد الآن كما كان خجولا مستترا متواريا وراء ما بقي من ألفاظ وتعابير الإخوة والأشقاء والأمة، لقد أصبح الإخوة والأشقاء هم من أقحموا قسرًا بسلالة سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو منهم بريء.

الدين الإسلامي واحد لا أجزاء ولا أقسام ولا فروع له مهما حاولتم. يقول الحق تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 4/5].

عن المحرر

شاهد أيضاً

الاستعمار أولاً وأخيرًا -2-/ محمد الحسن أكيلال

  التشدد سيد الموقف ثلاثة أيام كانت مدة الزيارة التي قام بها “إمانويل ماكرون” إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *