الرئيسية | وراء الأحداث | في الذكرى المئوية الأولى لميلاد الشيخ العلامة عبد الرحمن شيبان ـ عليه رحمة الله/ عبد الحميد عبدوس

في الذكرى المئوية الأولى لميلاد الشيخ العلامة عبد الرحمن شيبان ـ عليه رحمة الله/ عبد الحميد عبدوس

تحل في نهاية الأسبوع (الجمعة 7 جمادى الثانية 1439 هـ ـ 23 فيفري 2018م) الذكرى المئوية الأولى لميلاد الشيخ العلامة المجاهد عبد الرحمن شيبان، الرئيس السابق لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

ولد الشيخ العلامة المجاهد عبد الرحمن شيبان في 12 جمادى الأولى 1336هـ ـ الموافق 23 فيفري 1918م، في قرية الشرفة، دائرة مشدالة ولاية البويرة، كان ـ عليه رحمة الله ـ قامة سامقة في الثقافة والدعوة الإسلامية الرشيدة في الجزائر والعالم الإسلامي.

في العام الماضي – بمناسبة الذكرى السادسة لرحيله – كتبتُ بجريدة البصائر مقالا بعنوان: “ست سنوات على رحيل العلامة المجاهد عبد الرحمن شيبان…حارس القيم”، وجاء فيه:

” يوم 12 أوت 2017م تكون قد مرت ست سنوات على رحيل العالم المجاهد الأديب، سماحة الشيخ عبد الرحمن شيبان، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين السابق. وفي مثل هذه المناسبة تعود بي الذاكرة، إلى صبيحة يوم الجمعة 12 رمضان 1432هـ، الموافق 12 أوت 2011م، حيث أيقظني باكرا صوت نجله الدكتور نوفل شيبان، لينعي إلي وفاة والده الجليل، وبرحيله أفل نجم طالما ملأ علينا الدنيا حكمة وعلما.

توجهت إذن صباح ذلك اليوم الحزين إلى مقر جريدة “البصائر”، واتصلت في الطريق بعدد من الزملاء من رؤساء تحرير وسائل الإعلام لأبلغهم خبر وفاة العلامة الشيخ عبد الرحمن شيبان، وعندما وصلت إلى مقر الجريدة كانت ساحة المبنى الواقع بـ:17 شارع محمد مربوش بحسين داي، والذي يضم مقر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومقر مديرية الشؤون الدينية والأوقاف لولاية الجزائر، قد بدأ يمتلئ بجموع الشخصيات السياسية والدينية، والفكرية، والإعلامية، والمواطنين من كل الأصناف، الذين جاؤوا ليلقوا نظرة الوداع على جثمان فقيد الجزائر والأمة العربية والإسلامية.

كان الحاضرون يمثلون فسيفساء المشهد الوطني بكل تنوعاته، وبمختلف أطيافه السياسية، ومشاربه الفكرية، وفئاته العمرية، كانت حركات التيار الإسلامي حاضرة بقوة إلى جانب التيار الوطني، وحتى التيار العلماني، ولعل ذلك يمثل عربون العرفان والتقدير للشيخ الراحل عبد الرحمن شيبان، ولما عرف عنه من العمل الميداني والدعوة الفكرية والقلمية إلى الصلح والإصلاح والمصالحة، إذ كان يجسد في شخصه البعد الديني باعتباره عالما وإماما وفقيها مجتهدا، والبعد الوطني باعتباره مجاهدا ووزيرا ومسؤولا سابقا في قطاعات حكومية هامة، وكذلك البعد الديمقراطي باعتباره كان عامل توازن وهمزة وصل بين دعاة الأصالة ودعاة المعاصرة. ويشهد له الجميع أنه كان يؤلف بين القلوب، ويعمل مع مخالفيه بمقولة: “لنعمل في ما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا عليه”. فقد عرفته الجزائر داعية ومصلحاً ومربيا وسياسيا ومفكراً ورجل إجماع يجتمع حول كلمته العلماء والساسة، كما عرفته الأمَّة الإسلامية مدافعاً عن قضاياها العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، فكان رئيس فرع الجزائر لمؤسسة القدس الدولية.

بعد أن التحق بالرفيق الأعلى، حرص أبناؤه البررة على تنفيذ وصية والدهم الراحل بدفنه في مسقط رأسه بمقبرة الشرفة في ولاية البويرة، رغم كثرة الراغبين في حضور جنازته بالعاصمة.

لقد خرجت قرية الشرفة بدائرة امشدالة ولاية البويرة في عصر يوم الجمعة 12 أوت 2012م عن بكرة أبيها لتودع ابنها البار إلى مقبرة سيدي عمار الشريف، وظل الناس يتحدثون بعد ذلك عن ضخامة الحشد الذي حضر مراسيم الدفن، المكون من شخصيات رسمية وشعبية، وعن أجواء المهابة والخشوع التي خيمت على قرية الشرفة، وعلى ديار آل شيبان بهذه القرية المجاهدة. فكل من شاهد ذلك الجمع الكبير من علماء الأمة وكبار الشخصيات الحزبية والوطنية وطلبة العلم والمواطنين البسطاء الذين حضروا تشييع جنازة فقيد الجزائر والأمة العربية والإسلامية سماحة الشيخ عبد الرحمن شيبان –طيب الله ثراه وأكرم مثواه – يتأكد يقينا من سمو المكانة وطيب السمعة وجزالة التقدير الذي كان يحظى به سماحة الشيخ عبد الرحمن شيبان في قلوب الجزائريين على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية، وفئاتهم العمرية وتنوع مشاربهم الفكرية وتوجهاتهم السياسية. لقد كانت حياة الشيخ عبد الرحمن شيبان التي امتدت لقرابة قرن من الزمتن (93 سنة) سجلا حافلا بالأمجاد وجلائل الأعمال، ونال عن جدارة واستحقاق لقب “حارس القيم”. نال شهادة التحصيل في العلوم من جامعة الزيتونة سنة 1947م، وكرمته في جوان 2009م، جامعة الأوزاعي للعلوم الإسلامية اللبنانية بشهادة الدكتوراه الفخرية في علوم الشريعة الإسلامية اعترافا له بالجهود الكبيرة التي بذلها في خدمة الإسلام والمسلمين.

سبق للصحافة الوطنية أن نوهت بقدرة الشيخ عبد الرحمن شيبان وبراعته في التقريب بين المواقف وتأليف القلوب، وذلك بمناسبة انعقاد المؤتمر الثالث لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في شهر أوت 2008م الذي حضره معظم رموز السلطة والمعارضة وممثلو أغلب التيارات والأحزاب الجزائرية وجمعيات المجتمع المدني، وكان ذلك تأكيدا لما تحقق في ملتقى الشيخ محمد البشير الإبراهيمي – رحمه الله – بقصر الثقافة مفدي زكريا في شهر ماي 2005م  بمناسبة الذكرى الأربعين لرحيل علامة الجزائر وخليفة الإمام عبد الحميد بن باديس –رحمه الله- الذي جمع كذلك نخبة الجزائر والأمة الإسلامية.

ومن المواقف التي سجلها التاريخ بأحرف من ذهب في سجل الشيخ عبد الرحمن شيبان مكرمة، خلدها الشاعر الفحل حمزة بوكوشة –رحمه الله- في قصيدته الرائعة، تمثلت في سعيه لإصلاح ذات البين بين الإمام محمد البشير الإبراهيمي والرئيس الأسبق أحمد بن بلة الذي استشاط غضبا من بيان الشيخ البشير الإبراهيمي المنشور يوم 16 إبريل 1964م والمتزامن مع انعقاد المؤتمر الثالث لحزب جبهة التحرير الوطني وحلول الذكرى الرابعة والعشرين لرحيل رائد النهضة الجزائرية الشيخ عبد الحميد بن باديس وقد اعترف الرئيس أحمد بن بلة بالدور الذي قام به الشيخ عبد الرحمن شيبان في الجمع بين الرئيس بن بلة والشيخ الإبراهيمي في حصة “شاهد على العصر“ على قناة الجزيرة .

وقام كذلك بإقناع الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد بتمكين أول رئيس للحكومة المؤقتة للجزائر الزعيم فرحات عباس – عليهما رحمه الله – من استعادة جواز سفره وصيدليته اللتين صودرتا منه بسبب مواقفه المعارضة للنظام في ذلك الوقت.

كان الشيخ عبد الرحمن شيبان ـ رحمه الله ـ عالما مسكونا بحب الجمال، ومولعا بطلب الكمال، أنيق المظهر والتعبير، عالما جمع بين هيبة ووقار العلماء، وطرافة الأدباء وظروفهم، فكان سريع البديهة، حاضر النكتة. فكان صورة مشرقة للإسلام الحضاري الذي ينير العقول وتطمئن إليه القلوب.

كنت في مكتبه ذات يوم ربيعي من سنة 2006م عندما زاره، في مكتبه بمقر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بحسين داي، الملحق الثقافي بسفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالجزائر، وفتح معه حوارا حول قضايا حساسة وساخنة، كانت تلك السنة تتميّز بتصاعد حدة المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي وتفشّي جريمة اختطاف الصحافيين الأجانب وسط أجواء الاستنكار والتنديد الدوليين بهذه الظاهرة الخطيرة، أما في الجزائر فقد كانت جمعية العلماء المسلمين برئاسة الشيخ عبد الرحمن شيبان تتصدّر الجهود الوطنية للتصدّي لظاهرة انتشار موجات التنصير في مناطق متعدّدة من الوطن، وتكثيف تحرّكات المجموعات التبشيرية الإنجيلية التي كانت مستقوية بالدعم السياسي والتأييد المعنوي للرئيس الأمريكي السابق جورج ولكر بوش، وكل هذه القضايا كانت تستأثـر باهتمام المسؤول الأمريكي، وكان يبدو حريصا على استجلاء حقيقة موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منها، ولكن الشيخ عبد الرحمن شيبان لم يكن في اللقاءات التي حضرتها معه يكتفي بالإجابة المقنعة على تساؤلات ضيفه الأمريكي ويشرح بهدوء وعمق موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من القضايا المطروحة للنقاش، ولكنه كثيرا ما كان يتقمّص دور الداعية ويوظف كل مهاراته البيداغوجية لشرح معاني بعض الآيات الكريمة وتبيان أسباب نزول بعض السور القرآنية والحكمة منها.

وعندما شارفت مدة الخدمة لذلك الملحق الثقافي على الانتهاء، وقد حان موعد مغادرته للجزائر كتب إلى الشيخ شيبان رسالة ودية مفعمة بالاحترام وروح الامتنان، وحرص أن يؤكد فيها للشيخ عبد الرحمن شيبان أن جلساته معه وحواراته الودية والصريحة فتحت له آفاقا جديدة عن الفكر الإسلامي، وجعلته أكثـر فهما وأكثـر احتراما للدين الإسلامي. ومما قاله الملحق الثقافي في الرسالة التي أطلعني عليها الشيخ عبد الرحمن شيبان: “وددت لو أن مضمون الآية التي شرحتها لي (ولكلٍّ وجهة هو مولّيها فاستبقوا الخيرات) يصبح سلوكا عمليا لكل أتباع الديانات”.

لقد وصفه صديقه الأديب الشهيد أحمد رضا حوحو، الأمين العام لمعهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة – عليه رحمة الله – بأنه: “بذرة ارستقراطية في تربة ديمقراطية”.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ساركوزي في قفص الاتهام!/ عبد الحميد عبدوس

أخيرا أدركت لعنة القائد الليبي المقتول معمر القذافي، الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي وقادته إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *