الرئيسية | على بصيرة | وداعاً عبد الوهاب! وداعاً يا أعز الأحباب/ د. عبد الرزاق قسوم

وداعاً عبد الوهاب! وداعاً يا أعز الأحباب/ د. عبد الرزاق قسوم

 

 

سبحانك اللهم ربي، مُسبّب الأسباب، ومُنزّل الغيث من السحاب، ومُلهم المؤمنين الصبر عند المصاب، وواهب الجزائر ابنها عبد الوهاب.

عبد الوهاب! يا ذا الوجه الصبوح، والفكر الطموح، والعقل النصوح، والقلب الصفوح، ها أنت تغادرنا من عالم المادة، إلى عامل الروح، فتترك عيوننا ملأى بالدموع، وقلوبنا مثخنة بالجروح والقروح.

يا زين الشباب، يا أعز الأحباب !

أترحل عنا، والجزائر في أشد الحاجة إلى رجاحة عقلك؟ والإسلام في أمس الحاجة إلى وسطية فكرك؟ فمن لنا بعدك، ما أطيب ذكرك؟

كل ما في وطننا يبكيك !وكل مسلم صادق يرثيك، وينعيك !

يبكيك المنبر المحزون، في مسجد الطلبة الجامعي المغبون، وقد كنتَ الواضع الأول لأركانه، والساعي الحقيقي لرفع أذانه، والمهندس الناجع لإعلاء بنيانه، فهل يجود الدهر بأمثالك، على المسجد المهجور؟ والسقف المنخور؟

وتبكيك الشؤون الدينية، وقد كنت فارس أعلامها،  ومُجسّد أحلامها، ومُعمّق مبادئ تديّنها وإيمانها.

ومن لمنابر ملتقيات الفكر الإسلامي، ذلك اللقاء العلمي العالمي، الذي توَّجْتَ به رأس الجزائر، وجعلته، بحنكتك وحكمتك ملتقى العلماء، والباحثين الأكابر، يقدمون فيه النفيس من الأفكار والدخائر؟

ومن لأصدقائك اليتامى بعدك، وقد جفت منابع الود فيهم، وذابت معاني الحب لديهم، فموتك يا عبد الوهاب أقسى نكبة عليهم، ولكن الموت حق مهما كانت نكبته وقسوته، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

كتب الله في سجل قدرته، أن تموت، وكاتب هذه السطور بعيد عن الدار، تحول بينه وبين إلقاء نظرة الوفاء، والوداع على جثمانك الطاهر، بُعد المسافة، ومسؤولية الثقافة.

لقد نزل عليَّ نَعيك، المباغِت، كما تنزل المصيبة على النائم المطمئن، فكان هذا البحر الأبيض المتوسط بأسماكه وحيتانه وبأمواجه الصخابة، وكثبانه، كان هذا المتوسط الذي ظل يفصل الجزائر عن فرنسا، هو الحائل دون حضور جنازتك.

إني ليعز عليّ أن لا أكون ضمن المعزين والمتقبلين للعزاء فيك، وما أكثرهم، فأنت الذي لا تحدك مساحة، ولا تأويك جغرافية أو حدود تاريخ، فأبوك الإسلام، بأوسع معتقد، وأعذب مذهب، وجغرافيتك الجزائر، بأبعد نقطة فيها، وأعلى هضبة من أعاليها.

إن نقطة العظمة فيك –يا أعز الأحباب- أنك لا تسعك رقعة، ولا تحتويك بقعة، وأن لا تحكمك عصبية، ولا تستهويك قبلية أو حزبية، إنك البلبل الصداح، في كل معلم من معالم الإصلاح، وإنك العصفور الذي يغرّد في سماء التصوف الصافي من الشرك والصياح. أنت الجامع لأعلام الإصلاح، وأقطاب التصوف بما تتسع له رحابة الإسلام السمح، وما يقره انفتاح التوحيد على كل معالم النصح.

لا نعرف لك خصماً أو عدواً، وما علمنا لك من أخ غير الأخ في الدين أو في الإنسانية. فإذا وُجد من يقدح في عبد الوهاب حمودة، فاعلم أنه مبتدع، لا مبدأ له في الدين، ولا موطن له في الوطنية، ولا قيمة له من قيم الإنسانية.

لقد أبكيت الكثير –بفقدك اليوم- يا عبد الوهاب، فما أكثر خِلاّنك، وأصدقائك، ومحبيك على بعد الدار، أو المعتقد، فقلبك الكبير اتسع لكل الأضداد، وجمع بين كل الأنداد، وما ضاق أبداً، بأحد، لخلاف معه في القناعة أو في الاستعداد.

كل الطيبين، يقفون اليوم –على قبرك- يناجونك، ويودعونك، ولوعة الحزن تحرق قلوبهم، ودمعة العين تبيّض جفونهم، وما للجميع من سلوة فيك، وتأسية على فراقك، سوى ما تعلمناه منك، من مواجهة المحن والمصائب بثغر مبتسم، وذكر محتشم، “إنا لله وإنا إليه راجعون”.

وإن مما أذكره عنك يا أخي عبد الوهاب، وذكرياتك لا تعد ولا تحصى، ما أمليته عليّ، من درر التصوف، منسوبة إلى القطب الرباني سيدي بومدين الغوث، التي يقول فيها –على روايتك-:

أما ترى الطير المقفّص يا فتى        إذا ذكر الأوطانَ، حن إلى المغْنى

يُفرِّج بالتغريد ما في فؤاده               فتضطرب الأعضاء في الحس والمعنى

كذلك أرواح المحبين  يا فتى        تهززها الأشواق للعالم الأسنى

فلا تلم السكران في حال سكره     فقد رُفع التكليف –في سكرنا- عنا

هذا –إذن- نموذج من الفكر الصوفي، في مزحه بين إصلاح المعتقد وحب الوطن، كما يراه فقيدنا عبد الوهاب حمودة.

ويكفي للدلالة على ذلك، أن يذكر الإنسان، عينة من الكوكبة، التي كانت تحيط بأعز الأحباب عبد الوهاب، ليتأكد من صحة الاعتدال، والتوازن، التي تتميز بها شخصية أخينا عبد الوهاب.

إن من خيرة أصدقاء فقيدنا نجد، محمد الهادي الحسني، وعبد الرزاق قسوم، والسعيد شيببان، وعمار طالبي، والمأمون القاسمي، والمهدي القاسمي، وأحمد بن نعمان، ومحمد العربي دماغ العتروس، وأحمد عروة، ومحمد ابن عاشور، وغيرهم كثير، وكلهم يمثلون نماذج، في حسن التدين، وطيب الخلق، وحب الوطن.

فيا أخانا عبد الوهاب: إن أعمالك وأقوالك، وقامة شخصيتك، وإحصاء أعمالك وتضحياتك، لن تفي بها كلمات كهذه، تكتب أو تلقى، فشخصيتك من الشخصيات التي تربك الكاتب أو المتحدث عندما يهم بالحديث عنها، لأنها من العلو، والسعة، والعمق، بحيث لا يستطيع الكاتب أن يختصر ما يحب أن يقال في حقها.

وعزائي في كل هذا، أن صديق الجميع الأخ سيد علي الصيد، اتصل بي منذ أسابيع، وكنت خارج الوطن، ليقول لي أرجو أن تتصل بالأخ عبد الوهاب أنت ومحمد الهادي الحسني، فهو يذكركما كثيراً، ويتحدث عنكما طول الوقت، فأوعزت إلى أخي محمد الهادي أن يتصل به.

لذلك لا يسعنا، أن نقول –في مثل هذا المقام- إلا ما علمنا إياه، سيدنا رسول الله، أمام هذا المشهد “إن العين لتدمع، وإن القلب ليخشع، وإنا لفراقك –يا عبد الوهاب- يا أعز الأحباب لمحزونون”.

فوداعاً يا أطيب الطيبين ! ويا أخلص المؤمنين ! ندعو الله أن يحشرك في عليين، مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقا”، آمين.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

تجدد –يا نوفمبر- فينا..!/ د. عبد الرزاق قسوم

  ليتك –يا نوفمبر- كنت قريباً منا، كما بدأت، فنناجيك، ولكنك بعدت عنا، فها نحن …

تعليق واحد

  1. الأسلوب شجي وجزين يُحزن القراء وقبلهم كل المشيعين . إن هذا التأبين عاطفته صادقة ختامها مسك بدعاء طيّب، اللهم آمين. يدل أن الرجل المتوفى كان في الحياة الدنيا من الصالحين المصلحين نبراسا في بحر العلم الإسلامي المتين رفعته كلمة الدكتور عاليا عاليا وإنه إن شاء الله في عليين ولا نملك إلا التضرع لله عز مجل ونقول اللهم ألهم أهله الصبر وأجزل لهم الأجر وعوضهم وعوضنا خيرا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *