الرئيسية | كلمة حق | الذكرى الثمانون لمدرسة الحديث بتلمسان/ د. عمار طالبي

الذكرى الثمانون لمدرسة الحديث بتلمسان/ د. عمار طالبي

 

مرت ثمانون عاما على هذه المدرسة العلمية التربوية، وهي تشع بنورها على الغرب الجزائري، لا على مدينة تلمسان وحدها، كما يتبادر إلى الأذهان، إنها كانت وما تزال معلما من معالم التربية، ونشر الثقافة والوعي، كما كانت شوكة تؤرق الاستعمار وتقلقه، إذ أغلقها بعد افتتاحها بثلاثة أشهر، كأنها ضربة في مشاريعه الثقافية، وطعن في مدارسه الفرنسية التي ترمي إلى طمس معالم الثقافة العربية الإسلامية ومحوها من تاريخ الجزائر.

ولكن الله كتب لها أن تفتح بعد ذلك أبوابها للناشئة الجزائرية لغرس الثقافة وترسيخها، والدفاع عنها بوسائل قليلة، ولكن بعزم شديد، وإرادة قوية.

فكانت إستراتيجية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وقد مرّ على إنشائها ست سنوات، أن تنشر الوعي والثقافة في أرجاء الجزائر كلها، شرقا في قسنطينة، وغربا في تلمسان، ووسطا في العاصمة، لحصار الخطة الاستعمارية، وما أسسته من مدارس ثلاثة تسمى بالمدارس الفرنسية الإسلامية.

الأولى في قسنطينة، والثانية في الجزائر العاصمة، والثالثة في تلمسان، فكانت خطة الجمعية أن أنشأ رائدها ورئيسها الأول الشيخ عبد الحميد بن باديس مراكز ثقافية ومدرسة تربوية تعليمية هي الجامع الأخضر ومدرسة التربية والتعليم وكان مركزها الثاني في نادي الترقي بالعاصمة يرأسه الشيخ الطيب العقبي الداعية الكبير، والثالث في مدرسة الحديث في تلمسان ويرأسه الشيخ الجليل والمربي الكبير محمد البشير الإبراهيمي وليس من السهل النفاذ إلى الوسط التلمساني، والتأثير فيه، ولكن الإبراهيمي استطاع بذكائه ومعرفته بالنفوس والرجال أن ينفذ إلى هذا الوسط، وأن يجد رجالا يشدّون من عضده، ويقفون معه لنشر الدين واللغة والعلم، وهو من المكانة العظمى في اللسان العربي وشريعة الإسلام، وتاريخ الأمة.

ويبدو أنه سمى هذه المدرسة بمدرسة الحديث اقتداء بمدرسة الحديث في دمشق، وقد كان مدرسا بالمدرسة السلطانية بهذه المدينة، فترة من الزمن، ودرس على يديه عدد من كبار أساتذة الشام، وعلمائها، وأعجبوا به أيما إعجاب، وهو امتداد لمدروس المسجد النبوي الشريف الذي كان يدرس به كبار علماء مختلف أقطار الإسلام من المغرب إلى الهند.

وكانت علاقة ابن باديس بهذه المدينة مدينة تلمسان علاقة حب، ومعرفة بتاريخ حضارتها، وعلمائها وشعرائها، فكان هواه، لا يعادله حب ولا هوى، كما كان يهوى تونس، ويأنس بها، عاش فيها، ودرس بها وألفها، وكانت أول زيارة له لهذه المدينة سنة 1919، ولقي بها الشيخ القاضي شعيب، وهو علامتها، وقاضيها، وقطبها، فطلب القاضي من ابن باديس أن يجيزه فامتنع، ولكن إلحاحه جعله يكتب له إجازة، عندنا نسخة منها، رحلت إلى المكتبة الوطنية المغربية بالرباط، وتفضل مديرها أن صور لنا نسخة منها، وستنشر قريبا بإذن الله.

لم يكن ابن باديس رابضا في مدينة قسنطينة، لا يغادرها، بل إنه يقوم برحلات إلى مختلف أنحاء الجزائر، داعيا معلما، وله اشتراك في القطار يسافر كل يوم خميس إلى الجزائر العاصمة، للقيام ببعض الواجبات في نادي الترقي، محاضرا فيه، متصلا بالشيخ العقبي، منظما لبعض شؤون الجمعية، كما كان يسافر إلى تلمسان من حين لآخر للاتصال بالشيخ الإبراهيمي، وقد زار جبال القبائل، وجبال الأوراس، والصحراء، بسكرة، وسيدي عقبة وغيرهما.

وله صلة بالشباب الأمي، والعمال لرفع الأمية عنهم، كما له صلة بتلاميذ الكتاتيب القرآنية يعلمهم، وبجميع شرائح الشعب الجزائري، ولم يكن نخبويا كغيره من كثير من المصلحين يقتصر على شريحة النخبة.

إن هذا الاحتفال بالذكرى الثمانين كان رائعا، عرض فيه شريط عن هذه المدرسة. شرح الشيخ الكريم الأخ آيت سالم بن يونس نائب رئيس الجمعية، كان موفقا في شرح المواقف المهمة التي مرت بها المدرسة في تاريخها، من تاريخ تأسيس بنائها سنة 1935 إلى يومنا هذا مع عرض صور جمهور غفير من أهل تلمسان وغيرهم ممن حضر افتتاح المدرسة 21رجب1356هـ/1937م.

وما تزال المدرسة تقوم بوظيفتها، واقترحنا على أهل تلمسان أن يسعوا لتكون معهدا عاليا، من معاهد الجزائر التي تتخصص في علوم الشريعة واللسان العربي مع علوم أخرى معاصرة، لتعيد مجد تلمسان الحضاري الإسلامي، ولعل ذوي الهمة، وذوي المال منهم أن يهبوا لتحقيق هذا الأمل الجليل.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مصاب جلل/ د. عمار طالبي

إنه لمصاب جلل، وخسران مبين، لأمتنا، رحيل أخينا العزيز، وصديقنا الوفي الكريم، عبد الوهاب حمودة …