الرئيسية | قضايا و آراء | عيدكم وعيدنا…ضمير العيد، إذا كان لعيدنا “ضمير”/ د. محمد باباعمي

عيدكم وعيدنا…ضمير العيد، إذا كان لعيدنا “ضمير”/ د. محمد باباعمي

 

ألِف الناس أن يوظفوا ضمير المخاطب في صيغة الجمع “عيدكم”، ويضيفون إليه وصفا مثل “سعيد” أو “مبارك”؛ ثم يأتي الجواب بنفس الصيغة مخاطَبة وجمعا، متحرين في ذلك أن يردوا التحية بمثلها أو أحسن منها؛ وما في ذلك من غبار ولا حرج.

لكن، حين يوقفك “سوري” أو “ماليٌّ” أو أيٌّ من الأطفال أو النساء أو الرجال الذين غادروا الأوطان قهرا، وسكنوا جنبات الطرق في الجزائر الواسعة خفية أو علنا، سرًّا أو جهراً… حين يرمي فرد من هؤلاء إحدى يديه من خلال نافذة سيارتك، ويرمقك بعينية الفاترتين، ثم يبتسم لك تكلفا واضطرارا؛ سائلا منك “درهما أو دينارا”؛ ويقول لك بصوت متدحرج:  “عيدكم سعيد”…

حينها فقط يخيرك بين أن تجيبه عادةً مثلما تجيب أيَّ إنسان آخر من بلدك وأهلك، فتقول له: “وعيدكم سعيد”، وقد تبالغ فتقول: “وعيدكم أسعد”.

لكن، لو أنك أجبته بوعي، ولو تأملتَ كلماتك وعباراتك وما تحمل من دلالات وأبعاد؛ ثم حركت شفتيك لتجيب، فهنالك فقط ستفر منك الحروف، وستجمد في حلقك العبارات، وستخنقك العَبرات؛ وستسكت ثم تصمت، ثم لن تجد ما تقول، أو في أقل تقدير تعدِّل جوابك حسب السياق، فتجيبه متألما حزينا: “فرج الله عنكم”، “أبدلكم الله بما أنتم فيه عيدا أكثر أمنا وسلاما واستقرارا “…

هنا، مرة أخرى، ينشطر المسلم إلى “نحن” و”هم”؛ ويتوزع العيد إلى “عيدنا” و”عيدكم”، وتتجزأ البلدان إلى “بلدنا” و”بلدكم”، وتتباين الأحوال بين “حالنا” و”حالكم”… ثم لا يلبث المرء أن يتذكر أو يستعيد إلى شعوره آيات كثيرة في وحدة المسلمين، وأحاديث لا تحصى في أخوة المسلم للمسلم؛ آيات وأحاديث جميعنا يحفظه، وكلنا يعظ به؛ ولكن الكثير منا يوجهه إلى “الأخوة بيننا نحن” غير المبتَلِين، ولا تعني بأي حال من الأحول “الآخرين من المشردين والمعذبين”… أولئك “هم… هم”؛ أما “نحن… فنحن” وكفى…

 

*******

ثم حين يتصل مسلم من أبناء السلطة، جنديٌّ أو إطار أو حتى موظف أو عالم؛ بمسلم آخر من بلده، ولكن من جهة المعارضة، وغالبا من صف المحاربين والمقاتلين “لتحرير البلد” من الأولين؛ حين يتواصل هذا وذاك، أو حين يتلاقيان عبر وسائل الإعلام صدفة، أو عنوة، أو لأنهما أصلا من الأقارب والأرحام؛ حين يتم ذلك يوم عيد؛ فإنَّ الواحد منهم لو استطاع أن يستجمع الكلمات كلمة كلمة، ويصفُّ الحروف حرفا حرفا، كصف الحروف المعدنية في القديم؛ وحين ينطق بعد جهد جهيد تحيته المعهودة: “عيدكم سعيد”…

هنا يصير للضمير معنى آخر؛ فمن المخاطِب؟ ومن المخاطَب؟

وهل يتمنى أو يرجو لعدوه -قريبه، لمحاربه- ابن بلده…هل يود له سعادة في عيده هذا؟

أم أنه قبل أن يرمي بالعبارة أفرغها من محتواها، واستحالت في فمه هواء لا غير… ثم ضربه بها وانتهى؟ ولو أنه استطاع لرماه بمسدس أو قنبلة وقضى عليه…

ويأتي الرد من الطرف الآخر: “وعيدكم سعيد”…

ولكن، أي عيد يقصد، وأي سعادة يعني؟

*******

وإذا ما توجهنا شرقا وجهة خليج العرب، وحاولنا تسريب مكالمات “أمراء وسلاطين  وولاة العهد” في تلك البلاد، والواحد منهم يهنئ جاره، كما تقتضيه المراسيم الدبلوماسية؛ فإننا سنقع في حرج، لو “تصنتنا إلى الملك سلمان بن عبد العزيز مثلا، وهو يهاتف الأمير تميم بن حمد ليهنئه بمناسبة العيد الجديد…” كيف لا وهو منذ سنوات يفعل هذا، بفعل مشروط روتيني لا يتبدل ولا يتغير…

فهل سيقول له: “عيدكم مبارك”؟ وهل يرد الآخر بعبارة: “وعيدكم سعيد”؟

فأي عيد هذا الذي يبارك الله فيه، والجار يقضم جاره (تناوبا، ومن الجهتين)؟ ثم إن الواحد منهم اليوم، في خليج عربنا، يعقد صفقات مع نفس الدولة، ونفس الشركة، لشراء السلاح بمئات الملايير من الدولارات… تحسبا وتعقبا لحرب تشعل أوارها أدنى مناسبة، بين هذه وتلك، بين بلد مسلم وآخر مسلم… بل من نفس البيت والمذهب والعرق والأصل والفصل…

ثم، هل نأمن مثلا اليومَ، العلاقة بين مصر والسعودية؟ أو بين البحرين والإمارات؟ أو بين الجزائر وليبيا؟ والحال أنَّ المواطن البسيط اليمنيَّ، تأتيه تحية العيد من أرض القبلة التي يصلي وجهتها، تأتيه على شكل قنابل تدمِّر، وطائرات تقصف، وصواريخ تُبيد…؟

هل نأمن أن يتغير الأمر غدا أو بعد غد، إلى حرب أخرى، تحت مسمى آخر…ثم يأتي العيد، ولا عيد… ونعيد معاني لو وعيناها لتغير وجه العالم، ولكن لأننا خذلناها وأضعناها فإنها تنتقم منا، وتهزأ بنا، وتتركنا بلا بوصلة ولا وجهة…

كل ما في الأمر أن نعيد التفكير في “ضمير” العيد، إذا كان لعيدنا “ضمير”؛ فإذا قلنا “عيدكم سعيد”، وإذا قيل لنا: “وعيدكم مبارك”… كان لهذه الكلمات الثقيلة وزنها وقدرها، هنالك فقط يحلو لنا أن نرسل التهنئة بالعيد، ونقول: “عيدكم سعيد، ومبارك، أدامه الله عليكم…”

ثم يأتي الجواب: “وعيدكم أسعد، وأبرك، وأدوم…”

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

رسالة إلى السلفيين! تساؤلات تبحث عن أجوبة/ علي حليتيم

أنا مقتنع أن الحركة السلفية المعاصرة قد قدمت للأمة الإسلامية الكثير من الخدمات من خلال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *