الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | أبو العلاء المعري هل هو مؤمن؟/ محمد الصالح الصديق

أبو العلاء المعري هل هو مؤمن؟/ محمد الصالح الصديق

سأله عن كتاب كان يحمله فقال له: إنه ذكرى أبي العلاء المعري لطه حسين، فالتفت إلي وقال: وعلى ثغره ابتسامة:

على ذكر أبي العلاء ما رأيك فيه؟

فقلت له: إن رأيي قد أبديته مرارا فيما كتبته ونشرته، ولكن لا بأس أن أجيبك بما أرجو أن يكون مفيدا، وأن يكون جديدا لم يسبق لي نشره.

لقد مضى على أبي العلاء ما يزيد على تسعة قرون، وهو في جوف الثرى عظام نخرة، والناس فيه بين راض وساخط، وقادح ومادح، فمنهم من يرى أنه عبد مؤمن صالح، مطيع تقي، من أولياء الله تعالى المقربين، أنعم الله به على الناس ليرشدهم، ويهديهم إلى سواء السبيل، ويدعوهم إلى الزهد والاعتزال، والإخلاص في القول والعمل، حتى قال بعضهم: “إن المعري جوهرة جاءت إلى الوجود وذهبت ولم يعرفها إلا القليل”.

ومنهم من يرى أنه ضال ملحد لا يتمسك بدين، ولا يعرف الله، ولا يوقن بمذهب ولا يؤمن برسول.

ومهما يكن من أمر فإن هذا الاختلاف دليل على مكانة المعري في عالم الفكر والعلم والمعرفة، وعلى أهميته عند الناس، ذلك لأن العظماء -والعظمة المطلقة لله وحده- بحق هم الذين يرتحلون عنا ويصيرون في التراب رفاتا سحيقا، ومع ذلك يظلون عبر عصور التاريخ يشغلون الفكر واللسان والقلم.

أما رأيي فيه –والحقيقة يعلمها الله تعالى- فإنه مؤمن يعبد الله، ولا يشرك به شيئا، ويؤثر الإخلاص في القول والعمل على الرياء، وحب الظهور، والتدين الكاذب، وهو الذي يقول:

إذا قومنا لم يعبدوا الله وحده       بنصح فإنا منهم لبرُءاء

خلني يا أخي أستغفر اللـــــــ         ــــــه فلم يبق في إلا الدماء

ويقول في مقدمة “اللزوميات”:

“فمنها ما هو تمجيد لله الذي شرف عن التمجيد، ووضع المنن في كل جيد، وبعضها تذكير للناسين، وتنبيه للراقدة الغافلين، وتحذير من الدنيا الكبرى التي عبثت بالأول…إلخ”.

ويقول في الأخلاق التي يراها محبة الخير لذاته:

فلتفتعل النفس الجميل لأنه      خير وأحسن لا لأجل ثوابها

“ولطالما اشتاقت نفس أبي العلاء في تلهف وظمأ أن تطل من سماء الحكمة، فترى الأرواح ومستقرها، وحقيقة ذلك البقاء الأبدي، وما خبأته الأقدار في الأزل، وما أعد للنفوس البشرية، من نعيم أو عذاب أليم، بيد أن هذه أمور استأثر الله بعلمها، حتى يكون عجز العقول عن إدراكها دليلا باهرا على عظمته، وعموم سلطانه”

أما من يزعم أنه زنديق ضال، أو كافر ملحد حتى أنشد فيه:

كلب عوى بمعرة النعمان       لما خلا عن رقبة الإيمان

أمعرة النعمان ما أنجبت إذ       أخرجت منك معرة العميان

فلا أراه إلا حاسدا له وحاقدا عليه، أو جاهلا لمكانته، أو غير فاهم لألغازه ورموزه.

ويعجبني في هذا المضمار ما قام به المستشرق الإنجليزي الشهير “رينلد نيكسون” الخبير بالعربية وآدابها، المتضلع في عالم التصوف والحكمة، والمدرس بجامعة “كمبردج” في أوائل القرن العشرين، من ترجمته لمجموعة من شعر المعري اختاره من كتابه “اللزوميات” وجعلها في أربعة أبواب: 1- الموت والحياة.2- الجمعية الإنسانية. 3- الزهد.4- الدين والفلسفة؛ وسمى كتابه: “أبحاث في الشعر الإسلامي”.

ويثير هذا الكتاب عجب القارئ بعدم تحيز مؤلفه في الحكم، وبيان الأسباب التاريخية التي دفعت المعري إلى أن يقول مثلا:

وزهدي في الخلق به هذه الكلمة هي أن الحكم الذي يخرج به قارئوا شعر المعري هو أنه، مؤمن بالله، ولكن ظروفا قاسية تحيط به أحيانا، فيقذف ما يفهم منه غير هذا، وهو ما اتخذه خصومه حجة عليه، وشنعوا عليه من أجله، فسبحان من خلق الإنسان وهداه النجدين، وأعد للمهتدين نعيما مقيما، وللضال عذابا أليما.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الإنسان والحيوان/ محمد الصالح الصديق

  سألتني إحدى المعلمات هذا السؤال: ما الفرق بين الإنسان والحيوان؟ والسؤال في ظاهره واضح …