الرئيسية | كلمة حق | ما هو الحرف الذي تكتب به الأمازيغية؟/ د. عمار طالبي

ما هو الحرف الذي تكتب به الأمازيغية؟/ د. عمار طالبي

كثر هذه الأيام الحديث عن الأمازيغية، وعن تعليمها، وعن الحرف الذي ينبغي أن تكتب به؛ وإذا تركنا المساومات السياسية التي يثيرها بعض الناس بحق أو بغير حق، واتجهنا إلى الجانب العلمي والتربوي فإننا لحد اليوم لا نجد قرارا حاسما في الحرف الذي يجب أن تكتب به في الكتب المدرسية وغيرها، وكأن الجهات التربوية لم ترد أن تتخذ قرارا بهذا، وترضى أن تترك الأمر يسير على ما هو واقع.

إذا رجعنا لتاريخ كتابة الأمازيغية فإننا نجد أن حروف تافيناغت التي كانت تكتب بها قديما متعددة، وكادت تختفي اليوم بالنسبة للجزائر، وبقيت لدى الطوارق آثار منها لعهد قريب.

وكان الحرف اللاتيني هو الغالب في العهد الروماني الذي سيطر على البلاد، واضطهد أهلها، وتروّم بعض نخبتها كالقديس أوغسطين، وثار بعضها على الكنيسة الكاثوليكية كالجماعة الدوناتية في الأوراس، ولا نريد أن نطيل في هذا التاريخ الغابر.

ولما جاء الإسلام، انتشرت لغة القرآن الذي اعتنقه سكان هذه البلاد، وآمنوا به راسخا، واختلف اللغة اللاتينية من الساحة بذهاب العناصر البيزنطية الحاكمة، وكادت تختفي المسيحية من هذه البلاد أيضا، وأقبل الناس على تعلم القرآن وحفظه، وعلى لغته التي كتب بها المصحف الشريف، ثم أقبل الناس على تعلم لغة القرآن، والكتابة بها، عن اعتقاد راسخ بأنها لغة الدين والثقافة، وكتب في نحوها وقواعدها الأمازيغ أنفسهم مثل آجروم في الأجرومية، التي ترجمت إلى اللغة اللاتينية، وانتشرت هي وشروحها المتعددة التي وضعها الجزائريون وغيرهم، وشاركوا في نشر هذه اللغة وتدريسها، وجاء ابن معطي الزواوي، وألف الألفية في النحو، وسبق بها ابن مالك الأندلسي في ألفيته، وكتب فقهاء هذه البلاد وعلماؤها بها في مختلف العلوم من الفلك والرياضيات، وغيرها في مراكز الثقافة والحضارة، مثل بجاية، تلمسان، قسنطينة وبسكرة وغيرها، كما نجد ذلك في كتاب “البستان في ذكر علماء تلمسان” وعنوان الدراية في ذكر علماء وصلحاء بجاية، وما كتبه ابن خلدون عن هؤلاء العلماء في مؤلفاته، وقد عاش في هذه البلاد وشرفها بكتابة مقدمته العظيمة في فرندة ولاية تيهرت )تيارت( الآن.

ويمكن القول بأن أنسب ما تكتب به الأمازيغية هو الحرف القرآني لأسباب: فمن الناحية التاريخية نجد أنها كانت تكتب بهذا الحرف، وقد وجدنا عدة مخطوطات كتبت بها، ويوجد بعضها في المكتبة الوطنية بالجزائر، ورأيت في المغرب في معرض بفاس اثني عشر مخطوطا كتبت بها، واستمعت إلى محاضرة ألقاها الأستاذ اليزيد الراضي رئيس المجلس العلمي لتارودانت بالمغرب، ذكر فيها عدة مؤلفات مترجمة إلى الأمازيغية، مثل مختصر خليل، والأخرى كتبت بالأمازيغية، وأفاض في هذا الموضوع، وهو مشاركة الأمازيغ في الثقافة والعلم، وهي مسجلة صوتيا.

وترجم منذ عدة سنوات الأستاذ الحاج الطيب من تيزي وزو القرآن إلى  الأمازيغية، وكتبها بالحرف العربي، لأنه أنسب لها، واستشار في ذلك أستاذنا معالي الوزير سعيد شيبان حفظه الله، وعرضت الترجمة على عدد من الخبراء الذين يحسنون الأمازيغية، وطبع، وهو متداول كتابة وصوتا.

وكانت اللغات الإفريقية مثل الهاوسا تكتب بالحرف القرآني، إلى أن جاء الاستعمار ففرض الحرف اللاتيني.

ونحن نرى أن الفرس في إيران وهم أهل حضارة عريقة يكتبون اللغة الفارسية بالحرف القرآني، مع أنها من اللغات الهند أوروبية، وليست من اللغات السامية كالعربية، وكذلك اللغة الأوردية التي يتكلم بها في الهند والباكستان، وأفغانستان تكتب إلى اليوم بالحرف القرآني.

وبالنسبة للجزائر، فإنها لما اختلفت وسيطرت اللغة الفرنسية في التعليم والإدارة، شاع الحرف اللاتيني بين نخبة من الجزائريين، الذين لا يحسنون العربية، فكتبوا بالفرنسية، وجملة ما كتبوا عن الأمازيغية كتب بالفرنسية، وبالحرف اللاتيني، ولعل ذلك يرجع لعدم معرفتهم لا بالعربية، ولا بالحرف الذي يسمى تافيناغت، ولما أصبح الأمر الآن يتعلق بتعليم الأمازيغية في المدارس، فمن الضروري أن تقع العناية بهذا الموضوع، وأن نحررها من الحرف اللاتيني، فمن ناحية علم اللسانيات يبدو أن الحرف القرآني العربي هو أنسب من ناحية النطق والصوت، فلا يتفق الحرف اللاتيني صوتيا مع الأمازيغية في عدد من الحروف التي تخلو منها اللاتينية، كما لا توجد في اللسان العربي بعض الأصوات، وهي قليلة؛ وقد ذكر ذلك ابن خلدون مثل الحرف الذي ينطق بين الكاف الذي مخرجه أعلى الحنك، وهذا يرجع إلى أهل اللسانيات ليكون العمل علميا واضحا، وهذا الحرف كتبه ابن خلدون هكذا (كـ).

وهذا المشكل ينبغي العناية به، للتقارب بين ما يكتب بالعربية، وما يكتب بالأمازيغية، وتوحيد الحرف مما يرسخ الوحدة الثقافية، ويبعد ما يريد بعض الناس من ترسيخ الحرف اللاتيني، والتقرب من اللغة الفرنسية، وهو أمر يسهّل على الطفل تعلمها، كما أن هذا الأمر لا يترك للمساومات السياسية، والتطرف الذي يعمل بعض الناس على تسعيره لأغراض سياسية.

وينبغي أن يدرس هذا الموضوع دراسة علمية من أهل الاختصاص العلمي الذي يخلو من أغراض أخرى، ربما تؤدي إلى النزاع الذي لا داعي له. وكما قال ابن باديس رحمه الله: “إن ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان”.

إن ما جمعه التاريخ، وامتزاج الأنساب، والكفاح من أجل هذا الوطن، يعسر على الشيطان تفريقه، وزرع الفتن في أوساطه، وبين الأمة الواحدة التي وحدها الإسلام، وحفظها القرآن من كل محتل أو عدوان عليها، خلال التاريخ، فانهزمت إسبانيا في حروبها ضد الجزائر التي دامت 300 سنة، وطردت فرنسا بعد حكمها مائة واثنين وثلاثين عاما، وحصل الدارسون على شهادة كتابة اللغات بالحرف القرآني المنط، وأشرف عليها الدكتور مصطفى أحمد علي الخبير لتنفيذ مشروع كتابة لغات الشعوب الإسلامية بالحرف القرآني، وكان ذلك في يوم 30 جوان 2017م.

وقد عقدت دورة تدريبية في نيجيريا عن كتابة اللغات الإفريقية بالحرف القرآني، أشرفت عليها منظمة الإيسسكو، وغرضها تنميط الحرف القرآني، وتكييفه صوتيا وتقنيا لكتابة لغات الشعوب الإسلامية المتعددة وتنميتها، والعناية بقواعدها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

هل الشرع نفى العدوى؟

أ د. عمار طالبي / يرى بعض النّاس أنّه لا عدوى، ويفتي بذلك للجمهور، ويغترّ …