الرئيسية | قضايا و آراء | السياقات التاريخية لظهور النزعة البربرية/ سيفاوي عبد اللطيف

السياقات التاريخية لظهور النزعة البربرية/ سيفاوي عبد اللطيف

المخططات الفرنسية الاستعمارية ومنذ السنوات الأولى من الاحتلال صمّمت بغرض محاربة الدين الإسلامي واللغة العربية واستغلال كل ما من شأنه النيل من انسجام ووحدة هذا الشعب، ومن ذلك الاستغلال المغرض للفوارق والتنوعات العرقية واللغوية والمذهبية الموجودة بين أبناء الشعب الواحد٠

فانكبّ المستعمر بعساكره وعلمائه على التعرف على المجتمع الجزائري ودراسته في كل جزئياته وتفاصيله وتنوعاته، من عادات ولهجات ومذاهب وأصول عرقية، وتسخير كل ذلك لتحقيق أهدافهم الاستعمارية، مستعينا في ذلك بالكنيسة والمدرسة والجامعة.

ولقد كانت مسألة إبراز وتأكيد ما بين العنصر العربي والعنصر البربري والقبائلي من اختلاف، في اللغة والعادات والأصول ونوعية التدين والقابلية للاندماج من أهم المسائل التي عمل المستعمر من خلالها على تكريس سياسته الرامية إلى إحداث شروخ عميقة وخطيرة داخل نسيج المجتمع الجزائري الذي بقي متماسكا عبر القرون الطويلة.

ولقد تبين من خلال حقائق ومؤشرات قوية وجود سياسة استعمارية قائمة على استغلال تلك الفوارق والتنوعات والخصوصيات الموجودة داخل المجتمع الجزائري، ترتب عنها أو على الأقل أسهمت وساعدت على ظهور توجه داخل النخبة الجزائرية، تحول فيما بعد إلى ما يشبه التيار أو الحركة، والذي يعرف بـ “تيار النزعة البربرية ” أو “حركة النزعة البربرية”.

إنّ الطرح القائم على تمييز الجزائريين بين بربر وعرب وتصور البربر كضحايا للهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية للعنصر العربي في الوطن الجزائري أضحى يشكل دعامة الخلفية الفكرية التي ينطلق منها هذا التيار.

الحديث عن حركة النزعة البربرية ، باعتبارها حركة جزائرية من حيث  روادها وقادتها، من بدايات تشكلها إلى غاية اليوم، ليس بالأمر السهل لاعتبارات عدة و أهمها  أنّه من الصعب أن نحيد بدقة تاريخ تكون النواة الأولى لهذه الحركة- أو الحساسية  أو التوجه -، وتحديد بدقة طبيعة توجهاتها الأيديولوجية وأهدافها، وتحديد مدى انسجامها الفكري والسياسي، ومدى استكمال البعد التنظيمي والإيديولوجي فيها، كما يصعب تحديد كيف ولماذا تشكلت هذه الحركة بالدقة المطلوبة .

فمن الناحية التاريخية، وعلى مستوى الأفكار التي ينطلق منها هذا التيار فهي ظهرت مع بدايات احتلال فرنسا للجزائر وخاصة منذ الأربعينات من القرن التاسع عشر وهي بذلك أفكار مرتبطة بالاستعمار ومن صنعه، حيث هناك اجماع عند المؤرخين  أن لا أثر لتلك الأفكار قبل الاستعمار في المجتمع الجزائري، وهذا ما يؤكده الباحث محمد أرزقي فراد “لم يعرف أجدادنا في الماضي البعيد المشكلة اللغوية، لأن الإسلام احترم التعددية اللغوية الخاصة بالشعوب المسلمة. فقد أسس الأمازيغ في ظل الإسلام ممالك عديدة (الدولة الرستمية/ الدولة الحمادية/ الدولة الزيانية/ الدولة المرابطية / الدولة الموحدية / الدولة الحفصية…) جمعت بين اللغتين، الأمازيغية كلغة متداولة في الحياة اليومية، والعربية كلغة علم وتسيير” وعليه فهذه المشكلة خرجت من رحم الاستعمار الذي حاول إحكام سيطرته على الجزائريين بتفريقهم.

وفي هذا السياق نشير إلى التعليمة التي أعطاها الحاكم العسكري بالجزائر الماريشال بيجو لقادته سنة 1844، طالبهم فيها بتكريس تقسيم الجزائريين في كتاباتهم الخاصة بتاريخ الجزائر وأنتروبولوجيته، إلى شعبين: البربري، والعربي، لإضعاف المقاومة الجزائرية بوحي سياسة “فرّق تسد”. وبنفس المنطق أيضا قامت مخابر الكولونيالية بتقسيم منطقة القبائل إلى قسمين (القبائل الكبرى والقبائل الصغرى) لاعتبارات واهية يمجّها العقل السليم. )محمد أرزقي فراد(

أوضح  إسماعيل حامد في كتابه ” المسلمون الفرنسيون في شمال إفريقيا”  أنّ التمييز بين العرب والبربر، لا يعبر عن حقيقة الواقع الجزائري وأنّ في “إفريقيا وإسبانيا أيضا، وفي كل الأزمنة، العرب والبربر الذين أسلموا تحرروا من كل خلفية قائمة على أساس المنشأ أو الطائفة أو العرق، وفقا للنص وروح القرآن”.

ويمكن القول، أنّ تلك الأفكار بقيت إلى نهايات القرن التاسع عشر شأنا فكريا وسياسيا فرنسيا خالصا، وأنّ النخبة الجزائرية القليلة، كانت خارج الحراك الفكري الدائر ومقصية منه وبقيت إلى حد ما مشدودة إلى ثقافتها التقليدية تترقب ما جدّ في العالم الإسلامي.

إنّ بدايات القرن العشرين وكنتيجة لعوامل عديدة محلية ودولية، بدأت النخبة الجزائرية وخاصة من خلال الجيل الجديد منها، أي النخبة الشابة المتخرجة إما من المدرسة الفرنسية أو من المدرسة التقليدية الجزائرية أو الجوامع الإسلامية، قلت بدأت هذه النخبة تحاول إيجاد موقع لنفسها في المشهد الثقافي والسياسي يسمح لها من خلاله التأثير على السياسة الاستعمارية وتحقيق بعض المكاسب لها ولبني جنسها.

وقد ترتب عن هذه الازدواجية  في التعليم   بروز توجهين أساسيين، تيار محافظ منفتح على متطلبات العصر بواقعه الجديد والذي سيشكل الرافد الأساسي للحركة الإصلاحية، وتيار مفرنس اللغة والفكر، متجاوب  أكثر مع السياسة الاندماجية الفرنسية ومنفتح عليها اقتناعا أو مطية لنيل بعض الحقوق والذي سيعرف بحركة الشبان الجزائريين أو النخبة.

وداخل هذا التيار الثاني أساسا بدأت تظهر ملامح تشكل توجه فكري يتبنى  أو يبدو متأثرا بالطروحات الاستعمارية القائمة على التمييز بين البربر والعرب عموما وبين العرب والقبائل على وجه الخصوص .

فبالنسبة لتطور النزعة البربرية، يمكن التفريق  إذا بين مرحلتين أساسيتين،المرحلة حيث كانت المسألة شأنا فكريا وسياسيا فرنسيا بحتا، وهذه المرحلة تمتد من أواخر ثلاثينات القرن التاسع عشر إلى نهاية القرن، ثمّ المرحلة التي عرفت انتقال هذه الطروحات إلى عقول النخبة الجزائرية، بتبنيها، أو التعاطف معها، أو مواجهتها، وتمتد هذه المرحلة من بداية القرن العشرين إلى سنة 1954 وما بعد . وبالطبع فإنّ الاهتمام الفرنسي بتلك القضية فكريا وسياسيا، استمر في هذه المرحلة الثانية.

من المهم ملاحظة، أنّ عقودا من تواجد الاستعمار بالأرض جزائرية، وسيطرته شبه الكلية على كل قطاعات البلد  الحيوية، السيادية وغير السيادية، وسياسته الثابتة لهدم المقومات الأساسية لهذا الشعب من دين ولغة ونظم، كل ذلك كان من شأنه توفير الشروط النفسية والموضوعية لتشكل جيل من الجزائريين مقطوع الصلة بماضيه ومقوماته، فاقد للحصانة العقلية والفكرية التي تجعله في منأى عن التأثيرات المباشرة أو غير المباشرة للسياسات التي تستهدفه أو تأثيرات الواقع  الاستعماري المفروض عليه.

والنخبة كانت بالطبع أكثر عرضة لتلك التأثيرات، من أفكار غربية من حيث المنبت والخلفية والمضمون، بحكم ما كانت مختلف المؤسسات التعليمية، من المدرسة الابتدائية والمتوسطة والعليا تحرص على ترسيخه من تصورات ومفاهيم في أذهان القلة من الجزائيين التي حظيت بفرصة التعلم والتمدرس.

وفي حقيقة الأمر أنّ الوجود الفرنسي بالجزائر ترتب عنه اهتزاز كبير في البنية الفكرية للمجتمع الجزائري، من جراء سياسة “الهدم”للمؤسسات التقليدية أو للتضييق عليها وسياسة  “إعادة التشكيل” بواسطة مؤسساتها التعليمية المختلفة للعقل الجزائري .

هذا الاهتزاز كان من أهم مظاهره ، تراجع وغربة  المفاهيم والتصورات الإسلامية التقليدية و بروز وشيوع مفاهيم جديدة عن المجتمع الجزائري وغريبة عنه، تستند لمرجعية تاريخية واجتماعية وفكرية غربية وفرنسية.

فتعرفت النخبة الجزائرية عن تصورات ومفاهيم ونظم نشأت في الغرب وتحمس لها البعض بعد تبنيها، كالعلمانية والوطنية والديمقراطية والاشتراكية والشيوعية، والتعددية وحرية التعبير وحق العمل النقابي والجمعوي والحزبي .

ومن ضمن تلك الأفكار الوافدة فكرة الدولة والوطن والأمة بالمفهوم الغربي والنظريات المرتبطة بتلك المفاهيم من حيث التعريف وتحديد أهم المقومات.

فظهر لدى بعض الجزائيين نزوع لطرح مسألة الهوية والوطنية من خلال التصورات والطروحات والخلفيات الغربية التي استهوتهم واقتنعوا بها، والنزعة البربرية تعتبر شكلا من أشكال هذا النوع من النزوع ومظهرا من مظاهرها.

ويمكن اعتبار أن » المعركة الفكرية  « الدائرة بين الحركة الوطنية الجزائرية و المستعمر كانت معركة حول مسألة “الأمة الجزائرية” من حيث إثبات وجودها أو إنكارها ، وحول  حقيقة هويتها تاريخيا وحاضرا ومستقبلا ، أما » الجدل  الفكري الحاصل  « بين الحركة الوطنية ودعاة النزعة البربرية فكان أساسا يتمحور حول تعريف الهوية الوطنية وماهية مكوناتها الأساسية .

فخطاب المستعمر قائم على نفي صفة الأمة للجزائريين واستبعاد وجود وطن و دولة جزائريين قبل مجيئه .

وخطاب الحركة الوطنية قائم على إثبات وجود هذه الأمة عبر التاريخ بمقوماتها الخاصة والمختلفة عن الأمة الفرنسية .

أما تيار النزعة البربرية بمختلف حساسياته وأطيافه فخطابه قائم على محورية البعد الأمازيغي في تحديد الهوية الجزائرية مع تحديد موقف صريح أو مضمر إزاء  المكونات الأخرى من تلك الهوية .

ولهذا وجب التمييز بين النزعة البربرية  الفرنسية التي تعتبر من ثوابت  السياسة الفرنسية الاستعمارية وبين النزعة البربرية الجزائرية التي تعتبر طارئا تاريخيا وفكريا ، ظهر منذ أواخر القرن التاسع عشر، كنتيجة منطقية للأولى .

والنزعة  » البربرية الجزائرية  « بشكل عام والتي تتقاطع موضوعيا في طروحاتها مع طروحات الاستعمار على الأقل جزئيا، ظهرت كنتيجة لعوامل عدة ، ولعلّ أهم تلك العوامل تتمثل في كون   أنّها نتيجة طبيعية و منطقية لاستثمار فرنسي طويل ورهيب في سياسة متكاملة المعالم ارتكزت على  مسألة التمييز بين العرب والبربر بشكل عام و العرب والقبائل بشكل خاص .

فأوضاع الجزائر كانت تتطور والسياسات تتغير بل تتعارض ، والحكام العامون يتعاقبون ولكن الذي لا يتغير هي مجموعة قليلة من  الثوابت في السياسة الاستعمارية والتي  من بينها  العمل على تكريس فكرة المجتمع الجزائري المنقسم على نفسه و الذي يعادي بعضه بعضا ، وذلك ما عملت فرنسا على أن تثبته فكرا وشعورا وواقعا في كل العهود والظروف.

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

أما الخيام فإنها كخيامهم…وأرى نساء الحي غير نسائها..!/ مداني حديبي

هزال الروح(2):     المأسور من أسره هواه، وقيدته ذنوبه وخطاياه عن الفورية والحيوية والمسارعة …