الرئيسية | وراء الأحداث | هل يجعل قرار دونالد ترامب الولايات المتحدة الأمريكية دولة مارقة؟!/عبد الحميد عبدوس

هل يجعل قرار دونالد ترامب الولايات المتحدة الأمريكية دولة مارقة؟!/عبد الحميد عبدوس

بعد أقل من ستة أشهر على الاستقبال الباذخ الذي خص به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرياض، من طرف السلطات السعودية، ولقائه بعد ذلك بما يزيد على 37 زعيما و6 رؤساء حكومات عربية وإسلامية، في القمة الأمريكية الإسلامية، يوم 20 ماي 2017 وهي أول قمة عقدها ترامب بعد انتخابه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، ثم عودته إلى بلاده بعقود تجارية قدرت قيمتها بمئات الملايير من الدولارات، وجه الرئيس دونالد ترمب إهانة بالغة للزعماء والشعوب العربية والإسلامية باعترافه يوم الأربعاء 7 ديسمبر الجاري ( 2017 ) بالقدس عاصمة لإسرائيل، في خطوة لم يتخذها قبله أي رئيس أمريكي. ورغم أن قادة الدول الإسلامية ردوا على قرار ترامب  بعقد قمة طارئة في اسطنبول يوم الأربعاء الماضي ( 13 ديسمبر 2017 )  دعوا في ختامها العالم إلى الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين، كما أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس عدم قبول الفلسطينيين بالدور الأمريكي في عملية السلام بعد اليوم، لأن واشنطن تجاوزت الخطوط الحمراء بشأن القدس. إلا أن الانطباع السائد في الشارع العربي والإسلامي كان يأمل في قرارات أكثر قوة لوضع حد لغطرسة الطاغية الأحمق دونالد ترامب كما ألجمه الموقف الحاسم لقادة كوريا الشمالية عندما أراد استفزاز كرامتهم الوطنية .

لم يشارك في قمة القدس الإسلامية بإسطنبول سوى 20 زعيما على مستوى رؤساء أو ملوك أو أمراء، منهم 10 عرب، أي أقل بكثير من عدد الزعماء العرب والمسلمين الذين شاركوا في القمة  الإسلامية الأمريكية بالرياض  التي ترأسها دونالد ترامب، وحتى وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو، علق على ضعف التمثيل العربي في القمة قائلاً: ” بعض الدول العربية أبدت رد فعل ضعيفاً للغاية”، مرجحا أن يكون ذلك بسبب الخشية من غضب الولايات المتحدة الأمريكية.

واللافت للانتباه أن الموقف السعودي قد عكس استخفافا غريبا بقضية القدس وباعتداء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مقدسات كل المسلمين، وجاء الموقف السعودي متراجعا حتى عن الحد الأدنى من الرد العربي الإسلامي على قرار ترامب المنحاز كليا لجانب الاحتلال الصهيوني، ورغم الموقف الفلسطيني بعدم قبول أمريكا كوسيط في عملية السلام، فإن الدبلوماسية السعودية مازالت تولي ثقتها للدور الأمريكي في عملية السلام، فقد صرح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير من باريس لقناة (فرانس 24 ) يوم الأربعاء الماضي بعد صدور بيان القمة الإسلامية الطارئة حول القدس قائلا :”نعتقد أن إدارة ترامب جادة بشأن إحلال السلام بين الإسرائيليين والعرب”. والغريب أن وزير الخارجية السعودي فضل المشاركة في قمة باريس حول الساحل التي دعا إليها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون  وتقديم مساهمة مالية سعودية بقيمة 100مليون دولار لتمويل التدخل العسكري الفرنسي في دول الساحل وتغيب عن حضور قمة القدس الإسلامية بإسطنبول التي دعا إليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وفضلت السعودية المشاركة بوزير الدولة للشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد صالح بن عبد العزيز بن مـحمـد آل الـشيخ، ليمثلها نيابة عن الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود.

الموقف السعودي أثار إعجاب أفراد اللوبي الصهيوني في أمريكا فقد نشر الكاتب اليهودي الأمريكي روبرت ساتلوف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن، يوم الخميس 8 ديسمبر الجاري- بعد يوم واحد من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل.

مقالا  أثنى فيه على ما اعتبره موقفا “رصينا ومعتدلا وناضجا من طرف المملكة العربية السعودية، مسقط رأس الإسلام”، وجاء في المقال: “المملكة العربية السعودية حامية الإسلام وموطن الحرمين الشريفين تعد مكانا جيدا لتقييم أثر إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل على المصالح الأمريكية في المنطقة”.

ثم يتحدث ساتلوف عن المقابلة التي جمعته رفقة الوفد المرافق له من معهد واشنطن بولي العهد السعودي محمد بن سلمان بعد يوم صدور قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل قائلا: ” للحفاظ على قدر من السرية لن أنقل ما قاله – محمد بن سلمان- بالتحديد لكن يمكنني أن أقول ” لقد اقتصر حديثه على كلمة واحدة تعبر عن خيبة الأمل بشأن قرار الرئيس ترامب ثم تحول سريعا إلى الحديث عما يمكن أن تفعله الرياض وواشنطن لاستعادة الأمل في عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، ولم يتوقف عند هذا الحد ففي ذلك اليوم الذي تم وصفه على نطاق واسع بأنه سيكون بداية لواحدة من أحلك العلاقات بين أمريكا والعالم العربي على مدى عقود، عرض محمد بن سلمان رؤية مختلفة جدا للعلاقات السعودية الأمريكية وإمكانات للشراكة السعودية الإسرائيلية”.

والحقيقة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد أشار لدى وصوله لإسرائيل بعد زيارته للملكة العربية السعودية في شهر ماي 2017 إلى أنه لمس “شعوراً إيجابياً” لدى السعوديين تجاه إسرائيل .

ويبدو أن هذا “الشعور الإيجابي” بين السعودية وإسرائيل ما  زال يتعزز على مر الأيام ولعل هذا ما جعل عددا من المسؤولين الإسرائيليين يعبرون عن الاستعداد للتحالف مع السعودية، ويوجهون الدعوة صراحة للهيئات الدينية والسياسية السعودية لزيارة إسرائيل .

ففي 13 نوفمبر 2017.دعا وزير الاتصالات الإسرائيلي، مفتي السعودية عبد العزيز آل الشيخ لزيارة تل أبيب، وشكره على اعتباره “حماس تنظيم إرهابي يضر الفلسطينيين”.

وفي 16نوفمبر 2017 قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في المقابلة الإعلامية التي أجراها  مع موقع “إيلاف” الالكتروني السعودي إن: “بلاده على استعداد لإشراك السعودية بما لديها من معلومات استخباراتية وأن البلدين لديهما مصلحة مشتركة في مجابهة إيران”.

وفي يوم الأربعاء 7 ديسمبر الجاري، وبعد صدور قرار ترامب المشؤوم بالشروع في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس التي اعتبرها عاصمة لإسرائيل، دعا وزير الاستخبارات الإسرائيلي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان زيارة  إسرائيل، وقال متحدث باسم وزير الاستخبارات الإسرائيلي أن هذا الأخير:” يتمنى على العاهل (السعودي) دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو رسميا إلى الرياض، كما تمنى على ولي العهد محمد بن سلمان، القدوم لزيارة إسرائيل”.

وإذا كان أغلب الأمريكيين يعتبرون دونالد ترامب من خلال استطلاعات الرأي بأنه شخص ” غبي” و”كذاب” و”غير كفء” ، فإن الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي وإمام الحرم المكي الشريف عبد الرحمن السديس، يرى إن العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب “يقودان العالم نحو السلم والاستقرار”، حسبما نشرته قناة “الإخبارية” السعودية على حسابها في موقع تويتر في الشهر الماضي.

ويمكن القول إنه باستثناء الموقف السعودي ” المتفهم” لقرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل الذي اتخذه الرئيس الأمريكي، فإن الرفض العالمي لقرار دونالد ترامب بسبب تعارضه مع القرارات الأممية والمواثيق الدولية، وتبدو الولايات المتحدة اليوم وكأنها تحولت من دولة راعية للعملية السلمية إلى دولة مارقة تقف خارج القانون والشرعية الدولية.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

متى تصبح الإسلاموفوبيا في أوروبا جنحة يعاقب عليها القانون؟/ عبد الحميد عبدوس

خرج يوم الأحد 10 نوفمبر الجاري 2019 الاحتجاج على ظاهرة الخوف من الإسلام أو الإسلاموفوبيا …