الرئيسية | حديث في السياسة | لماذا كانت فلسطين على هذا الحال؟/ التهامي مجوري

لماذا كانت فلسطين على هذا الحال؟/ التهامي مجوري

فلسطين احتلت من قبل شرذمة من يهود العالم بضمانات استعمارية غربية، أي احتلت بصيغة جديدة تختلف عن الاستعمار التقليدي الذي قرره الميثاق الاستعماري القديم، وما إن شرع العالم في وضع الصيغ لتقرير مصير الشعوب المستعمرة بعد الحرب العالمية الثانية، حتى ولدت هذه الثمرة الخبيثة، احتلال اليهود لفلسطين.

بهذه المعطيات الجديدة، لم يعد من الممكن احتلال بلد على الطريقة القديمة، فكان “وعد بلفور” يتزامن مع اتفاق فرنسي بريطاني فيما يعرف بـ”سايكسبيكو”، على وضع صيغة للتحكم في البلاد التي كانت مستعمرة، فقسم العالم العربي ومزق العالم الإسلامي، وتشتت الأمة، وأخيرا احتلت فلسطين.

فاحتلال فلسطين إذن هو احتلال مميز ببعض الميزات التي لم تكن في الاستعمار القديم وهي:

أولا: أن الهيئة المستعمِرة، شعب جمع من جميع بلاد العالم، على أساس ديني وعرقي عنصري، فهي ليست دولة تريد احتلال دولة كما فعلت فرنسا مع الجزائر أو بريطانيا مع مصر، وإنما مجموعات من شعوب الأرض، جمعت في إطار تنظيم عدواني عنصري هو “الصهيونية العالمية”.

ثانيا: ثُبِّت هذا الاستعمار الجديد بضمانات غربية، ولذلك كان كل الغرب ولا يزال، داعما لليهود في فلسطين، بما في ذلك الإتحاد السوفياتي سابقا، الذي بدا وكأنه مناصر للشعوب المستعمرة، وحتى فيما يختلف فيه القوم، فإنهم لا يختلفون في مبدأ الضمانات، وإنما يختلفون حول مصالحهم الجزئية؛ لأن الضمانات التي يقدمها الغرب للاحتلال الصهيوني، هي مقابل الحفاظ على مصالحه في المنطقة، أو بعبارة أخرى، هذه الضمانات المقدمة، لضمان استمرار الاستعمار وغاياته في العالم غير الغربي.

ثالثا: أن هذا الاحتلال مبني على استعطاف العالم غير المتضرر منه نتيجة ما تعرض له اليهود من اعتداء خلال الحرب العالمية الثانية، حيث ضخم الموقف الألماني العدائي تجاههم إلى مستوى تقبل التعاطف معهم بكل سهولة، ونسي العالم أو تناسى أن هذا التعاطف غير سوي وغير سليم؛ لأنه كان على حساب شعب آخر طرد من أرضه.

وعليه فإن القضية الفلسطينية لا يمكن معالجتها ومواجهة الاحتلال بها إلا بمشروع مماثل في الشمولية والقوة، أي بمواجهة شاملة، وليس بمجرد التفكير في تحرير الأرض، كما فعلت البلاد المستعمرة من قبل؛ لأن القضية قضية مواجهة حضارية وليست مجد احتلال بسيط –دولة تحتل دولة-، ولذلك كان رد الفعل الطبيعي في البداية، يوم كانت الحركة الوطنية في أوجها في العالم العربي والإسلامي، كان رد الفعل قويا، حيث كان الصراع في سياقه الصحيح، رغم أن العالم العربي والإسلامي مقسم ومقطع الأوصال؛ بل كان فيه من الشعوب ما لا يزال مستعمرا، ومع ذلك كان كل العالم العربي والإسلامي ينظر للقضية على أنها مسألة تجديد للاستعمار ببعد استراتيجي حضاري، وليس مجرد استعمار استيطاني أو انتداب، ولكن هذا النفس تراجع مع الأيام، فقُزِّم الموضوع عندما وضع في إطار قومي عربي ضيق، ثم وضع بين يدي الفلسطينيين وحدهم بعدما انفض الجمع وتشتت، ولم يبق من معاني المقاومة الرشيدة في فهم المشروع إلا في قلوب الشعوب وقليل من الأنظمة بمقدار ما تمليه طبيعة الصراعات الدولية في المنطقة وخارجها.

إن واقع الأمة بكل أسف لا يبعث على التفاؤل؛ لأن واقع هذه الأنظمة القائمة ليس هو الذي يحرر فلسطين، أو هو الذي يفهم الموضوع بأصوله، ولكن الأمل قائم في مستقبل الأمة وشبابها؛ لأن الوجود اليهودي في المنطقة غير طبيعي، وكل ما هو غير طبيعي لا يمكن أن يستقر.

لا شك أن هذه الدولة النووية القوية وصاحبة القدرة العالية على تحييد الخصوم وهزم الأنظمة، ومع ذلك لا يمكن أن ترى الاستقرار، حيث أنها – بمواصفاتها التي هي عليها ومنهجيتها وطبيعتها السلبية والإيجابية- لا يمكن أن يستمر بقاؤها إلا بمحو وجود المحيطين بها من الأنظمة وقضائها على الجميع أو أنها تزول؛ لأنها غير قابلة للاندماج في غيرها، كما لا تسمح للغير بالاندماج فيها، ولذلك لا ينفعها سلاحها النووي الذي لا تستطيع استعماله، ولا طبيعتها العنصرية التي لا تتلائم مع السلوك الإنساني السليم.

إن الاعتقاد بزوال هذه الدولة، ينبغي أن يكون عقيدة لدى السياسيين كما هو عقيدة عند المتدينين، ثم التركيز على البناء الوطني في جميع البلاد العربية والإسلامية وترقيته إلى المستوى الذي كانت عليه الحركة الوطنية؛ لأن انتصارات اليهود لم تتحقق بمجرد قوتها التي امتلكتها، أو بالدعم والضمانات الغربية، وإنما تحققت لها بسبب ضعف الأنظمة العربية والإسلامية التي لم تحافظ على الاطراد الثوري الذي كانت عليه الحركة الوطنية التي حققت الاستقلال بوسائل مادية بسيطة، ولكن بقيم وهمم عالية، وإرادة حرة تربت عليها ومارستها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …