الرئيسية | أقلام القراء | لعبة ( الحوت الأسود) محمد جربوعة

لعبة ( الحوت الأسود) محمد جربوعة


التزاما بالصمت ..لم يكن في نيتي نشر شيء.غير أنّ الصمت خانني إذ لذتُ به، وأنا أسمع قرعَ طبول فتنة عاتية.. وقررتُ أن أكتب هذه الكلمات.. براءة أمام الله تعالى ..
عرفتُ منذ طفولتيُ امرأة فرنسية تزوجها جزائري (شاوي) من الحي الذي أسكنه.. فتركت لغتها، وصارت تتحدث الشاوية، وتلبس الزيّ الشاوي.. والسبب بسيط.. إنه الحبّ ..
ولقد ولدنا وكبُرنا على هذه الأرض ونحن نحبّ البربر ، نتزوج منهم ، ونصاحبهم.. نشاركهم في التجارة ونرافقهم في السفر.. ونصلي معا، ويدعو بعضنا لبعض.. ولا مشكلة لهم مع العربية؛ لأنها لغة القرآن الذي يحفظه الكثيرون منهم، لا لأنها لغة العرب.. ولا مشكلة لنا مع اللهجة الشاوية، نحبها لأننا نحب أهلها.. ولم ننتبه يوما إلى كونها غريبة عنا.. تماما كما لم ننتبه إلى أنّ عيوننا أو أيدينا ليست منا.
إلى أن يجيء يوم، ويستيقظ فيه الواحد منا على يده اليمنى وهي تخاصم يده اليسرى.. ويكون من شديد الألم أن يكتب ليؤكد أنّ اليمنى واليسرى من جسد واحد..
لقدْ كتبتُ قصائد للشاوية، وانتصرتُ لهم حين طعن فيهم وزير أول أسبق.. ولي منهم إخوة وأهلون.. وظني أنّ لكلمتي في أم البواقي وباتنة وخنشلة من الرفعة، ما لا يجعلها تنزل إلى الأرض.. وعلى ذلك أراهن وأنا أكتب حزني هذا…!
وجود اللهجة البربرية في حياتنا نعمة، امتنّ بها الله تعالى في كتابه ، فقال:{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ}[ سورة الروم: 22].

واللغة هنا مثل اللون، والحروب العنصرية في اللغة، لا تختلف عن الحروب العنصرية في اللون.. والذي يرغم المختلف عنه على أن يكون مثله في لغته، كالذي يرغم المختلف عنه في اللون على أن يكون بلونه.. وإلا فالاستئصال.. تماما كالذي يقتل رجلا أسود لأنه لا يريد له أن يكون أبيضا ..
ولقد قيل: (إنّ أجمل ما في الإنسان، إنما يُستخرج بالرفق والحب).. الإيمان لا يكون بالقوة والفرض والإلزام، وإلا ظهر النفاق.. والحب لا يكون بالإكراه.. لذلك فإنّ أسوأ ما يفعله دعاة الإكراه هو تعريض اللغة للكره.. حتى العربية، أنا لا أوافق على أن تكون إلزامية.. والذين يريدون تعميم تدريس اللهجة الأمازيغية بالقوة، إنما يعرّضونها لردة الفعل التي هي الكره والرفض، خاصة إذا ارتبطت بمشروع خارجي، ونحن لا نرضى للهجة أحببناها وهي من نعم الله ومن الثراء اللغوي، أن تتعرض للكره بسبب فرضها على الناس..
حتى الإسلام لا أحب أن يتم فرضه.. (لست عليهم بمسيطر) ( لا إكراه في الدين)..فإذا لم يكن الإكراه في الدين، فهل يكون في اللغة التي هي أقل شأنا منه..؟
هناك محذوران عظيمان يخرجان رأسيهما الآن…!
أولهما: وضع اللهجة الأمازيغية في مواجهة العربية.. انطلاقا من كون العربية هي لغة العرب.. وهذا خطأ، وأسوأ ما يؤدي إليه هذا الأمر هو الإحساس بالندية، ومن ثم الخصومة تجاه لغة القرآن الكريم.. ولا يمكن للأمازيغي أن يكره العربية ولا أن يخاصمها، لأنها لغة القرآن لا لغة العرب.. لا يمكن أن يخاصمها لأنه يصلي بها، ويدعو بها، ويحج بها، ويقرأ بها كتاب الله تعالى، ويتعلم بها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.. إذن فإنّ للغة العربية شأنا يرتقي فوق كونها لغة العرب.. إلى كونها لغة القرآن الكريم.. وآنذاك فإن معاداتها خطيرة دينيا، لأنّ القرآن عربيّ، والنبي عربيّ، والصحابة عرب.. فهل يرضى أحدكم بأن يخدع أبناءه الصغار، فيعلمهم حبّ كسيلة وكره عقبة بن نافع، وكره العربية، فيلقي بهم إلى غضب الله وإلى مستقبل أسود، في الدنيا والآخرة؟
الإسلام ليس دين العرب..؛ لأن العرب أنفسهم كانوا في جاهلية، وحاربوا محمدا.. وأنا العربي لا يمكنني اليوم أن أتحيز لأبي جهل أو أبي لهب أو حتى لمن حاربوا الرسول صلى الله عليه وسلم من بني تميم، فقط لأنهم عرب..
كذلك ، لا أحبّ لطفل صغير بريء أن يلقي به والده للظلم والظلمات، فيربّيه على أنّ الكاهنة أفضل من عقبة بن نافع ..
وأنا أسأل أهل العقول والورع من أهلنا الأمازيغ: لنفترض أنّ هذه الأرض كانت للبربر بدءا، أكنتم ترضون أن تكون كلها لكم، وأن لا يأتي العرب بالإسلام، وأن تبقى جاهلية كغيرها من دول أفريقية؟
وإذا اعتقدنا أنكم لم تتقاسموا هذه الأرض مع العرب، كما فعل الأنصار مع المهاجرين، استضافة وأخوة ، فلقد اشتريتم الإسلام ببعض أرضكم.. وهذا يُكتب لهم عظيما.. ويُدّخرُ فوزا ..
كان الإسلام من العرب الفاتحين، وكانت الأرض منكم.. فأسستم بذلك لروضة خير، أنتم اليوم ترون نتيجتها في مقابركم حين تزورونها، فترون قبور أمهاتكم وآبائكم، وقد ماتوا على كلمة التوحيد.. فأخذوا بالإسلام أعظم فوز، ولم يأخذوا من الأرض التي تتحدثون عنها غير أشبار.. ولقد ربح البيع ..
لقد سترَ الله آباءكم وأمهاتكم في قبورهم، فعاشوا طيبين، محبين لهذا الرجل الذي جاء من بعيد يسعى ليهديهم إلى الله تعالى، وفي رقبة كل مسلم بربري أو عربي، دين كبير لعقبة بن نافع.. وليس من الرجولة ولا من الفروسية أن نعادي رجلا جعل أمهاتنا وآباءنا وهم في لحظة الغرغرة ينطقون بكلمة النجاة والتوحيد.. وما هكذا يردّ الجميل ..
وثاني المحظورين: هو أنّ هذه الدعوات تنتهي عادة بالاحتراب، والتقاتل، وأهل السنة مجمعون على أن مرتكب الكبيرة مهما كانت لا يخلد في النار، إلا القاتل، فهو خالد في العذاب، لذلك قال ابن عباس (لا توبة لقاتل).. فكيف يدفع مسلم الأمور باتجاه (الدم) وهو يقرأ قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً }[سورة النساء: 93]، والقتل قتل ولو بالكلمة والتحريض كما هو الأمر في ديننا.
فمن هذا المجنون الذي يكون في سعة من أمره، يرتجي العفو والمغفرة، فيتحول فجأة إلى رجل قانط من رحمة الله، يعيش وهو يدرك أنه لا توبة له، ولا نهاية له بعد موته غير جهنم؟
لقد زرتُ بيروت بعد حربها الأهلية مباشرة، ووقفت أتأمّل حيين سكنيين يفصل بينهما طريق، وقد انتشرت ثقوب المدافع والطلقات في الحيين المتقابلين، ليرويا مأساة.
تصوّروا معي، كيف يُنزل مسلحون على مشارف سطيف، أُمًّا مريضة من السيارة، وهي تتجه من أم البواقي إلى أحد المستشفيات بالعاصمة، ويقتلونها لأنها شاوية …! وكيف يُطلق شباب يقطعون الطريق في تبسة النار على أبٍ فقير وطفله الصغير، بينما هما يتجهان إلى تونس، ليجري الوالد لابنه عملية بعد أن جمع له أهل الحيّ بعض المال بعد إصابة الطفل بالسرطان .. فتُقتل فرحة الأمل بالشفاء على يد فرحة صراع اللغات .. وتبا للغات تقتل الأبرياء.
تصوروا معي، كيف يمكن أن تشتعل هذه البلاد، وينتشر القتل على الهوية، ويستحيل حينها على أي أمازيغي التواجد في هذه المنطقة الصحراوية التي هي منبع النفط، من بريكة إلى ورقلة، مرورا بالمسيلة والجلفة.
بينما يستحيل على أي عربي دخول هذه الولايات التي تمتد باتجاه تونس، لأنها شاوية…!
تصوروا معي، شباب الحشيش والممنوعات، حين ينخرطون في اللعبة السوداء، وتهاجم العصابات الأحياء بالسكاكين والسيوف، فتقتل وتنهب…!
تصوروا معي أمهاتكم كبيرات السن، وهنّ يتعرضن للأذى …!وأطفالكم حين ترون في عيونهم الرعب بينما أنتم لا تملكون لهم أمنا .. وأعراضكم حين تنتهك .. ومحلاتكم حين تحرق، وأعمالكم حين تتعطل…!
تصوروا معي ..حين تضيق .. وتضيق ..وتضيق ..وتفكرون في الفرار، فلا تجدون بسبب قلة ذات اليد، وانعدام التأشيرة …!
سيتعلق أطفالكم بأذيالكم وأنتم تقطعون الحدود نحو بلدان لن تجدوا فيها غير البرد والحزن والذل والفقر…!
حينها ستفقدون الأرض التي تصارعتم عليها، ولم تكونوا أهلا لعمارتها .. ولن تنفعكم اللغات التي تقاتلتم لأجلها في تغريبتكم وشتاتكم .. وستفهمون متأخرين أنّكم كنتم وقودا لمشروع يريد إذلالكم .. وإبعادكم عن ربكم وقرآنكم، قبل إبعادكم عن أرضكم ..
والآن .. اختاروا، إمّا أن نتعاون جميعا على أن نجعل من الذين يحركون هذه الفتنة مجرد شرذمة يحركها الأعداء لتدميرنا؟ وإما أن ننخرط كلنا في لعبة (الحوت الأسود) فيبتلعنا جميعا؟ وحينها سنجد أنفسنا في بطنه نعود لنجتمع على لغة القرآن الكريم لنسبح معا بلسان عربي مبين (لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين).
لاحظوا معي أنّ أغلب المتحركين في هذه الفتن لا علاقة لهم بالدين، وآنذاك فلا مشكلة لهم في معاداة عقبة بن نافع ولا في القتل .. ولاحظوا أن بعض المحرضين، من المغنيين وغيرهم، إنما يعيشون في الخارج، وآنذاك فهم لن يخسروا شيئا، وسيكتفون بمشاهدتكم على التلفاز وأنتم تصطفون أمام أبواب السفارات لطلب التأشيرة التي لن تأخذوها حينها ..
تريدون الصراحة .. لا النفاق؟
لو لم أكن عربيا، لكنتُ أعتقدُ أنّ العربية أفضل وأجلّ من كل لهجة ولغة، لأنّها لغة القرآن، ولغة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يجتمع في حبه البربر والعرب .. لكنّني أحبّ اللهجة الأمازيغية، وأراها آية من الله، ونعمة وثراء وتنوّعا، وأرى اعتداء العربي على الشاوي أو العكس، نقصان مروءة .. ولو رأيت عربيا يستهدف امرأة شاوية، لوقفتُ مساندا للمرأة لأنها عرضي وشرفي .. سأدافع عن نسائنا جميعا في الأوقات العصيبة، كما تغنيت بهن جميعا في السلم .. وسأدافع عن كل شيوخنا وعجائزنا، وأضمّ إلى صدري كل وجوه أطفالنا الخائفين، من أمازيغ وعرب .. وسأمسح على رؤوسهم جميعا .. وأعلن براءتي من كل من ينخرط في هذا المشروع الإجرامي …
وإذا اقتضى الأمر .. فأنا مستعد لأجوب هذه البلاد طولا وعرضا، مع أصحاب لي من الأمازيغ .. ليرى الناس نموذج الرجال الذين لا يخونون … !
لم أخرج يوما للطواف بالمدن لأجل حملة انتخابية، لكنني مستعدّ لفعل ذلك اليوم لأجل أهلي كلهم من العرب والبربر .. ولأجل أطفالهم جميعا ..
زمن الاحتلال، لم تنج أمّ البواقي ولا بجاية من الإذلال والإبادة، كما لم تنج الجلفة وبريكة .. وكان شرفا أن تنطلق الرصاصة الأولى من جبال الشاوية .. واليوم ..نقف نحن، أبناء ذلك الجيل العظيم الذي تعرض للظلم والإبادة، لنعلن أنّنا في الجولة الثانية للاستهداف، مثل آبائنا وعيا ووقوفا في وجع العدو …!
أنا وأصحابي من البربر، لن نناقش موضوع اللغات واللهجات، لأنّ شعارنا الحرية، وبذلك فنحن نرفض الفرض والإكراه، ولأننا ندرك أنّ هذا الموضوع مجرد صاعق تفجير..لكننا سنكون سعداء بأن نحافظ على أمن وأحلام أبنائنا، لئلا تذلّهم الجهة التي أذلّت أجدادهم.
البربر فرسان كالعرب، وقبائل لها أمجادها كقبائل العرب، وحين يفكّر فارس بربري في سبي أمّي أو أختي، وهي أمه وأخته ..فإنه يسقط، ويسقط معه كل مجده القديم وفروسيته التليدة…!
لذلك ، أدعو كل العرب والأمازيغ، في هذه البلاد، إلى حملة تردّ على الرئيس الفرنسي الذي جاءنا معلنا بداية (موسم الشؤم) .. واجبنا تفويت الفرصة ..واجبنا أن نعلن احتفالنا وفرحنا، بعد أيام قليلة سنتجند فيها جميعا لإسقاط المؤامرة، مهما كان الذين يقفون وراءها من الذين يقيمون في الخارج، أو علاقات تجعل حصولهم على التأشيرة للفرار ممكنا حين تضيق البلاد وتشتعل…!
أدعو كل العرب والأمازيغ، إلى عدم فتح أي نقاش من بعيد أو قريب، حول اللغات ..
أدعوهم إلى تنشيط وإقامة أمسيات شعرية، وكتابة مقالات وقصائد حول (الأخ الذي يريد إلقاء أخيه في الجب) لأجل الغريب الأجنبي…!
أطلق حملة .. (آوماسنْ أخيه) يعني (أخو أخيه) .. ولنفعل ذلك لأجل أبنائنا ..لئلا يتحولوا كأطفال سوريا واليمن، إلى قتلى أو لاجئين…!
وبمثل هذه الحملة، نرضي ربنا، ونرضي رسولنا صلى الله عليه وسلم، ونرضي أجدادنا ..ونرضي هذه الأرض التي يراد لها أن تشتعل انتقاما من شهدائها، ونرضي شيخنا وإمامنا عبد الحميد بن باديس الأمازيغي، ورجال الثورة من العرب والأمازيغ، ونرضي أمهاتنا حين نحافظ لهن على سرير دافئ يعشن عليه ما بقي من أيامنا ويمتن عليه .. ونرضي أبناءنا حين نطرد عنهن شبح الخوف .. وأخيرا ..نرضي ضمائرنا بكوننا لم نشارك في إزهاق نفس مؤمنة ولا ترويع جار…!

عن المحرر

شاهد أيضاً

قراءة أولية في الهبة الشعبية/ محمد عباس

ترى ما هي القراءة الأولى لهبة 22 فبراير 2019 الشعبية حسب الشبكة الوطنية التحريرية: وطنية …