الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | طوبى لمن له عقل بصير/ محمد الصالح الصديق

طوبى لمن له عقل بصير/ محمد الصالح الصديق

حدثني شخص عن ابن عمه الذي ترعرع في حضن إسلامي، وشب بين والدين مسلمين تقيين، وفتح عينيه على المصحف والكتاب، ثم هاجر إلى السويد، وهناك عاشر ملاحدة وعلمانيين، فتأثر بهم وبآبائهم، فلم تمض إلا أشهر حتى أخذ يستخف بالدين، ويهزأ بالأخلاق، ويرى الحياة تمتعا بالملذات والشهوات، وأن الحلال ما تصل إليه يد الإنسان، والحرام ما حيل بينها وبينه.

ثم غلبه سلطان الهوى، واستبد به عنصر الشر، فأنكر وجود الخالق سبحانه وتعالى، وأصبح يهزا بأهل الإيمان والتوحيد، ويسخر بآرائهم ونظرياتهم، ويصفهم بالدروشة، وضعف التفكير، وقصور النظر، والعجز عن مواكبة الحياة في تقدمها وتطورها.

فقلت للرجل أن ابن عمك – وإن ترعرع في الإسلام وشب بين والدين مسلمين –فإن الإسلام لم يتمكن في أعماقه، ووالداه لم يعمقا فيه عقيدة الإسلام وأخلاق الإسلام، بدليل أنه لم يكد يفتح عينيه في الأوساط العلمية الإلحادية، حتى أصبح أداة في يد غيره تقوده أنى شاءت وليس له إزاءها إلا الطاعة والتسليم.

والحق أن هذا الشاب وأمثاله ممن يسهل عليهم التنكر لدينهم وخالقهم وهويتهم، يفضلهم الحيوان في الغيرة على أنثاه، ويفوقه في الحرص على طبعه ومبتغاه، فهم كالريشة في الهواء، لا بمبدأ يستندون إليه، ولا ضمير يعولون عليه، ولا يبالون أقمة صعدوها، أم هاوية انحدروا إليها، وهم أيضا أمشاج من المفاليك، وأوشاب من الصعاليك، وأوضار وأقذار لا ينبغي تلويث القلم بالكتابة عنهم، أو التنديد بمزاعمهم وكفرياتهم، وإنما نذكرهم كما نذكر الأوبئة والجراثيم والحشرات القذرة…!

ومع كل هذا فيجدر بنا أن نلاحظ بأن الأسرة الواحدة عندنا تضم أشتاتا مختلفة، بل هي متناقضة، ففيها الشيخ، الذي يتلو القرآن، ولا يتخلف عن آداة الفريضة في المسجد، والعجوز التي تصلي، وتخاف الأولياء والصالحين أكثر مما تخاف رب العالمين، والفتاة التي ترى التقدم والتمدن في التبرج والسفور، والشاب الملتحي الذي يحصر الإسلام كله في لحيته، ويحافظ على كل شعرة منها أكثر مما يحافظ على وطنه، والشاب المنحرف الذي يتصبح ويتمشى بالمكسرات والمخدرات ولا يبالي بعد ذلك بشيء، والفتاة التي إذا اضطرت إلى الخروج لفت جسمها بجلباب أسود لا تكاد تعرف أولها من آخرها، ولا طولها من عرضها، وإذا مشت رأيتها في حذر واحتراس كأنها تخاف أن يأكلها الرجال أو تبتلعها الأرض.

وفي هذا المناخ المليء بالمتناقضات تبدو مكانة من نشأ وشب على الإيمان الصحيح، والخلق القويم، واستقام على الجادة، وتمسك بالصالح لصلاحه، ورفض الفاسد لفساده، والله تعالى دعانا إلى ذلك منذ أكثر من أربعة عشر قرنا فقال: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ )17( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَاب)18(}  [الزمر: 17/18]

عن المحرر

شاهد أيضاً

العالم الجاهل/ محمد الصالح الصديق

الفروق بين العالم والجاهل كثيرة، يعسر عدها واستقصاؤها، ومتنوعة أيضا، بعضها سطحي يدرك بالبداهة، وبعضها …