الخميس 18 ذو القعدة 1441ﻫ 9-7-2020م
الرئيسية | كلمة حق | هل بداية انهيار الإمبراطورية الأمريكية قد اقتربت؟/ د. عمار طالبي

هل بداية انهيار الإمبراطورية الأمريكية قد اقتربت؟/ د. عمار طالبي

يعلمنا التاريخ أن سقوط الأمم وحضارتها سببه الظلم، والطغيان، وتوسعها في الأرض وكثرة أشيائها، وتراكم الفساد في أوساطها، وتسرب الأعداء إلى نظامها، وخيانة بعض قادتها ونخبها وانحرافها.

وها نحن نرى مظالم الولايات المتحدة لا تتوقف، وحروبها لا تنتهي، من فتنام التي هزمت فيها شر انهزام، وقبل ذلك حربها على اليابان، ثم أفغانستان، والعراق، وسوريا، وما تزال تهدد وتتوعد من لا يخضع لها، ولسياستها ومصالحها في العالم، وطغت بما تملك من جيوش تتوزع في العالم، ولأسلحة مدمرة، ومراكز الدراسات لغزو الأمم، ومنذ سنين وهي تؤيد هؤلاء الصهاينة سياسيا، وتمدهم بالأموال والسلاح، والوسائل التقنية والاتصال، ثم أصبح هذا العدو يملك إنتاج الأسلحة النووية وبيعها، بما يملك من طاقة نووية لا يحاسب عليها، ويغض المجتمع الدولي بصره عنها، ولا تتوقف الولايات المتحدة عن محاسبة إيران، ومراقبتها وتهديدها، وأصبحت شرطي العالم، تعاقب، وتسلط العقاب على الدول بما في ذلك الاتحاد الروسي، وما تزال، وتتحكم في مجلس الأمن، والكونجرس يتقاضى أعضاؤه الرشاوى المالية، ويتحكم في قراراته اللوبي الصهيوني بهذه الأموال، والإغراء، والمكر.

وها نحن اليوم نرى كيف يتصرف رئيس الولايات المتحدة تصرفا أعمى، مذبذبا، أهوج، غبيا، لم يجرؤ رئيس قبله أن يقدم على هذا القرار الذي يتصدق بالقدس أن يكون عاصمة للصهاينة، وأن تنقل سفارته إلى هذه الأرض المقدسة، كأنها ملك له، أو ورثها، واحتقر ما يقرب من مليارين من المسلمين في العالم، واستخف بالنظم الحاكمة كلها، وأهانهم جهرا بعد أن أغدقوا عليه من الأموال والهدايا بما لا يتصوره ذو عقل طمعا في حمايته ورعايته، فهل حمى هؤلاء الذين بذلوا أموال شعوبهم لهم، وحرموهم منها يشكون الفقر، والجهل، والحاجة.

وهؤلاء الذين يزورون ديار العدو، من صهاينة البحرين جهارا نهارا، ويصرخون بالتعايش، وبأن الشيعة لا تعادي أحدا، ولا دينا، وسبق أن زارهم الصهاينة ورقصوا معهم، تتقرب بعض النظم العربية إلى العدو ليرضى عنهم، وييسر لهم سبل البقاء في الحكم، والسيطرة على شعوبهم ليذيقوهم ألوانا من الذل، والعذاب الأليم في حياتهم، إنها لخيانة للعهدة العمرية، وتفريط فظيع في أمانة القدس في أعناق المسلمين، وتشويه لتاريخ الإسلام في هذه الأرض، وتلويث لثقافتنا، وخيانة لصلاح الدين الأيوبي، وتحريره للقدس، وجحافل المسلمين الذين بذلوا دماءهم في سبيل القدس وحريته، وهدر لهذه المعالم التاريخية، والآثار العظيمة، التي شيدها المسلمون، وتدمير للمسجد الأقصى بأفعالهم الغبية، وسلوكهم هذا الأعمى البليد.

وهذا اللوبي الذي سيطر على الكونجرس، يضاف إلى بذل المال، ما يناصره إلى غلاة المسيحيين الانجليكان، الذين يجمعون الأموال، ويعقدون المؤتمرات، وينادون في الكنائس لتأييد الصهاينة، ومدهم بالمال، والقيام بالدعوة لمناصرتها، فهذا الفريق من المسيحية المتصهينة التي تعتقد بعودة المسيح إلى فلسطين، وأن الصهاينة بوجودهم يهيئون لعودته ليدخل الناس كلهم بما فيهم الصهاينة في المسيحية، وأن يحكم ألف عام في هذا العالم، فهذه العقيدة التوراتية يؤمن بها هؤلاء، ويجتهدون بالسعي الدعائي والمالي في مناصرتها بكل ما أوتوا من قوة.

إن اليمين المسيحي المتطرف الذي يعيش في الكونجرس، وفي البيت الأبيض، ويدبر ويحث هو من وراء هذا القرار السيئ، العدواني، وهذا الاستكبار اللدود الذي عاقبته اشتعال الحروب الدينية في العالم، إنه لخطر وأي خطر.

إن هذا الطغيان والعدوان، والحروب المتواصلة المتوسعة في العالم لهي سبب يؤدي بالتدريج إلى خراب هذه الإمبراطورية كما ذهبت إمبراطورية الرومان بعد توسعها في استعمار العالم، وسيطرتها، فأصبحت آثارا يزورها الناس ويشاهدونها مشاهدة عيان، وهكذا يبدأ سقوط الطغاة والطغيان في مسرح التاريخ، ولا تغني عنهم أموالهم، ولا أشياؤهم وكثرتها، وكثرة جيوشهم.

أما هؤلاء الذين يسمون أنفسهم علماء في بعض البلدان الإسلامية، ويدعون التمسك بالسنة، فقد صمتوا صمت أصحاب القبور بعد أن كانوا يفتون بالتبديع والتكفير، والقتل، ويصيحون باتباع السلف، والسلف منهم براء، فقد فقدوا صلاحيتهم لهذا الانتساب الشريف، وظهر نفاقهم، وكذب فتاواهم، وتهافتها، وتبعيتهم المطلقة لمن يغدق عليهم الأموال والمناصب، ويملي عليهم ما يفتون به، صاغرين، بعيدين عن الحق، والجهر به، وعن الشرع والحكم به، وعن السنة والعمل بها، ولم يبق لهم إلا التشدق الكاذب، والنفاق الواضح فأفئدتهم هواء، وعقولهم لا تفقه، وأبصارهم لا ترى.

إنه لبلاء، وكرب عظيم أصاب المسلمين، ولعله أن يكون سبيلا للرشد واليقظة، ومقاومة ما فسد، ورأب ما تصدع.

عن المحرر

شاهد أيضاً

متــــى تـنـتـهــي الـمــــؤامـــــرات علـى ليـبـيــــــا؟

أ د. عمار طالبي / إنّ المصالح أعمت وأصمّت هذه الدول التي تظن أنّها دول …