الرئيسية | في رحاب الشريعة | فتاوى | حكم رفع اليدين في الدعاء/ محمد مكركب

حكم رفع اليدين في الدعاء/ محمد مكركب

الفتوى رقم: 236

الموضوع: ما حكم رفع الأيدي في الدعاء؟ وما هو الاعتداء المنهي عنه فيه؟

قال السائل: صليت في المسجد الصلاة المكتوبة خلف الإمام، وبعد السلام جلست أذكر الله، ثم رفعت يدي لأدعو لله تعالى، فجاءني أحد المصلين وقال لي: “لا ترفع يديك في الدعاء، فإن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾[الأعراف: 55]”؛ وسألت الإمام فقال لي: “يجوز رفع اليدين في الدعاء، والآية لا تخص رفع اليدين”.

فنرجو منكم فضيلة الشيخ أن تفيدونا في حكم رفع اليدين في الدعاء؟

وما هو الاعتداء في الدعاء الذي نهى عنه ربنا عز وجل؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

أولا: الجواب الصحيح فعلا هو كما قال لك الإمام، يجوز رفع اليدين في الدعاء، بل رفعهما في الدعاء مستحب ومن الآداب العظيمة، ولو لم يكن مستحبا لما رفعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعاء، فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يفعل شيئا لا يحبه الله. والآية ليس فيها النهي عن رفع اليدين، وإنما الاعتداء المنهي عنه في الآية يخص مسائل أخرى سنبينها بعد قليل إن شاء الله؛ والذي جاء ينهاك عن رفع الأيدي أخطأ ثلاثة أخطاء: فالخطأ الأول: أنه نَصَّبَ نفسه لدعوة الناس إلى الدين، وهو يجهل نفسه، ويجهل الدين.

والخطأ الثاني: حشر نفسه في غير ما كلفه به رب العالمين.

وأما الخطأ الثالث: فقد استدل بالآية الكريمة في غير مدلولها، مخالفا بذلك لعلماء المسلمين.

وكل هذا من أفعال بعض المتنطعين الذين أصيب الإسلام والمسلمون بسببهم بملايين المصائب.

فنسأل الله تعالى أن يهدينا وإياهم، والذين يأمرون بغير المعروف تنطعا، وينهون عن المباح تشددا، ينبغي أن يؤدبوا تأديبا ليتربوا.

والله تعالى أعلم.

ثانيا: الدعاء عبادة من العبادات. ورفع الأيدي في الدعاء من هيئات حالة الداعي. ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة، والتابعين، وعن ملايين المسلمين في العالم. قال الله تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [سورة البقرة: 186]، وقال جل جلاله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فالدعاء عبادة، والاستجابة القبول. لقوله تعالى: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: 60]، وفي الحديث عن النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ] رواه أبو داود، والترمذي.

ومن بين الأحاديث التي تقرر مشروعية رفع الأيدي في الدعاء. روى ابن ماجة قال: حدثنا أبُو بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن جعفر بن ميمون، عن أبي عثمان، عن سلمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ، فَيَرُدَّهُمَا صِفْرًا، – أَوْ قَالَ: خَائِبَتَيْنِ] (ابن ماجة. كتاب الدعاء. رقم: 3865) ومن أجوبة العلماء: جواب الإمام القرطبي، حيث قال: {والدعاء حسن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان لإظهار موضع الفقر والحاجة إلى الله عز وجل، والتذلل له والخضوع. فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن، وإن شاء فلا} .

والله تعالى أعلم.

قال عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر. في كتاب: {فقه الأدعية والأذكار.ج2.رقم:89} “إنَّ من آداب الدعاء العظيمة رفع اليدين في الدعاء إلى الله عزَّ وجلَّ؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة عدَّها بعضُ أهل العلم في جملة ما تواتر فيه النقلُ عن النبيِّ الكريم صلى الله عليه وسلم، قال السيوطي في شرحه لتقريب الإمام النووي رحمهما الله ممثِّلا لِما تواتر معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم: فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم نحوُ مائة حديث فيه رفعُ يديه في الدعاء، وقد جمعتها في جزء، لكنها في قضايا مختلفة، فكلُّ قضية منها لَم تتواتر، والقدر المشترَك فيه هو الرفعُ عند الدعاء تواتَر باعتبار المجموع. قال: وعقد الإمام البخاري – رحمه الله- في كتابه الصحيح في كتاب الدعوات منه باباً بعنوان: رفع الأيدي في الدعاء، وأورد تحته عن أبي موسى الأشعري قال: [دعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم ثمَّ رفع يديه، ورأيتُ بياضَ إبطيه]، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: [رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللَّهمَّ إنِّي أبرأُ إليك ممَّا صنع خالد]، وعن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: [رفع يديه حتى رأيتُ بياض إبطيه]، وقد أشار شارح الصحيح الحافظُ ابن حجر رحمه الله، إلى كثرة الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى، وذكر جملةً من الأحاديث في ذلك، منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: [قدم الطُفيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ دوساً عصت فادعُ اللهَ عليها، فاستقبل القبلةَ ورفع يديه، فقال: [اللَّهمَّ اهدِ دوساً] أخرجه الإمام البخاري في الأدب المفرد، وهو في الصحيحين دون قوله: ورفع يديه. (الأدب المفرد (رقم:611)، وانظر: صحيح البخاري: (رقم:2937)”.

والله تعالى أعلم.

 ثالثا: ما هو الاعتداء المقصود في الآية؟﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [سورة الأعراف: 55].

فعن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة، إذا دخلتها، فقال: أي بني سل الله الجنة، وعذ به من النار، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ] ابن ماجة. كتاب الدعاء. رقم:3864.

ومرة أخرى ها هو الإمام القرطبي يجيب عن السؤال، حيث قال: {والاعتداء في الدعاء على وجوه منها: الجهر الكثير والصياح، ومن الاعتداء في الدعاء التطويل والجهر في دعاء الوتر في رمضان، حين يطلب السر والتخفيف كقنوت الصباح، ومنها أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي، أو يدعو في محال، ونحو هذا من الشطط. ومنها أن يدعو طالبا معصية وغير ذلك. ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة، فيتخير ألفاظا مفقرة، وكلمات مليئة بالسجع، قد وجدها في كراريس لا أصل لها، ولا معول عليها، فيجعلها شعاره، ويترك ما دعا به رسوله عليه الصلاة والسلام. وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء.} (7/226). وروى الإمام أحمد، وأبو داوود عن سعد بن أبي وقاص أنَّه سمع ابناً له يدعو يقول: {اللَّهمَّ إنِّي أسألك الجنَّة ونعيمَها وإستبرقها ونحواً من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألتَ اللهَ خيراً كثيراً، وتعوَّذتَ بالله من شرٍّ كثير، وإنِّي سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنَّه [سيكون قومٌ يعتدون في الدعاء] وقرأ هذه الآية: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ وإنَّ بحسبِك أن تقول: اللَّهمَّ إنِّي أسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قول أو عمل} (المسند (1/172)، وسنن أبي داود (رقم:1480).

ومن أعظم عظم الاعتداء في الدعاء: من دعا غير الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ الله مَن لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:5] ومن الاعتداء في الدعاء: كالذي يَسأل ما لا يليق به من منازل الأنبياء، ومن الاعتداء في الدعاء أيضا: أن يسأل العبد ربه المعجزات والخوارق، مما يخالف حكم الله وقضائه. كأن يسأله البقاء إلى يوم القيامة؟ أو أن يسأله أن يعيش بغير طعام ولا شراب؟ أو أن يسأله الإطلاع على الغيب؟!

ثم انتبه واقرأ هذا الحديث. عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى خَدَمِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَاعَةَ نَيْلٍ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ.] (أبو داود. كتاب الصلاة. رقم:1532).

والله تعالى أعلم.

رابعا: ومن الأدعية التي يدعو بها المسلم في كل دبر الصلوات، ذلك الدعاء الذي وصى به النبي محمد صلى الله عليه وسلم، معاذ بن جبل رضي الله عنه. ففي سنن أبي داود والنسائي وغيرهما عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أخذ بِيده يوما وقال: [يَا مُعَاذٍ، وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، أُوصِيكَ يَا مُعَاذٍ، لاَ تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ أَنْ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ] (سنن أبي داود. رقم:1522. وسنن النسائي. رقم:1303).

والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الفتوى رقم : 311/ محمد مكركب

الموضوع: الشريك بالمال مع العامل بجهده، وهو الذي يسمى المضاربة. قال السائل: لي صديق طلب …