أخبار عاجلة
الرئيسية | حديث في السياسة | العبد السياسي والاجتماعي للقدوة/التهامي مجوري

العبد السياسي والاجتماعي للقدوة/التهامي مجوري

 

يقال إذا أردت أن تقضي على حضارة فاقض على أسسها أولا، وهذه الأسس هي: “الأسرة والمدرسة والقدوة”.

والمتابع لواقع العالم الإسلامي وتحولاته، يلاحظ أن المجتمع الإسلامي لم يتأثر بقيم أخرى من خارجه إلا عندما اهتزت هذه الأركان الثلاثة فيه، ويوم كانت هذه الأركان قائمة وثابتة من ثوابته الإجتماعية والسياسية، لم تستطع القوى الاستعمارية اختراقه رغم محاولاتها المتكررة، فقد كانت الأسرة في بلادنا هي الحصن الحصين للمجتمع؛ بل ربما كانت الركن الأهم في مقاومة الاستعمار بتماسكها الديني والعرفي؛ لأن الأسرة كانت ولا تزال هي الدائرة الأقوى في العلاقات الإجتماعية؛ لأن العلاقات فيها مبنية على التواد والتراحم والتعاطف، وليست مبنية على المصالح والحاجات المادية الزائلة.

يحكي الشيخ محمد السعيد الزاهري رحمه الله أن مستشرقة ألفت كتابا تريد به ترقية المرأة الجزائرية لتخليصها مما هي فيه من غبن وتخلف وجهل.. من غلبة الرجل والحجاب والأمية…، وكانت هذه المرأة تزور إحدى الأسر لتقرأ عليها شيئا من هذا الكتاب فصادف أن التقت هذه المستشرقة بامرأة فناقشتها فيما تقول.. فدار بينهما حديث طويل عنون له الشيخ الزاهري بـ”الكتاب الممزق”؛ لأن كابتته خرجت بنتيجة ان الكتاب لا فائدة منه، نقتطع من هذا الحوار ما يلي:

قالت الجزائرية: “إن كتابك هذا هو آلة هدم شرف المسلمة والقضاء على سعادتها، ولتمزيق ما هي فيه من صيانة وعفاف، وكل ما فيه أن الوهم يصوِّر لك المرأة المسلمة أسيرة في يد الرجل وتتصورين حجابها سجنا لها، مع أن الأمر ليس كذلك، لأن حجاب المسلمة صيانة لها، والمرأة في خدرها كالوردة في كمها، والمرأة في خدرها كالملكة في قصرها، لا تبرجه ولا تود أن تريم عنه وليس الرجل إلا قيما (قواما) عليها، تظل هي في منزلها وكل غرامها في إصلاح شؤونه، وفي تربية أولادها…، وهي ملكة منزلها… وحجابها هو صونها، وأولى بالمرأة أن تصان وتحتجب.

وكما يجب على الرجل أن يكون رجلا كاملا في رجولته، يجب على المرأة أن تكون امرأة أنثى كاملة في أنوثتها وفي الحجاب من لين الأنوثة ودلالها ما لا يكون في السفور”، ثم سألت المستشرقة قائلة: وهل أنتِ في الحرية تتلذذين بها وتنعمين في بحبوحتها؟
فردت المستشرقة: نعم، أنا كذلك.
فقالت لها: وأنت مع ذلك امرأة أنثى؟
فقالت: وهو كذلك.
فقالت لها الجزائرية: أنتِ أنثى عند نفسكِ، أما عندنا فما أنتِ كذلك.
قالت: وكيف؟
قالت لها الجزائرية: فلنجعلك أنتِ مثلاً أعلى للحرية التي تريدينها لنا، فأنت امرأة مهذبة كاتبة….، ومع ذلك فما نراكِ كاملة أنوثتك، ثم قالت لها أنتِ عازبة غير متزوجة أليس كذلك؟
قالت: بلى
فقالت لها: وماذا يمنعك من الزواج؟
قالت: لم أجد رجلا كما أحبُّ
فقالت لها: ويحك! فهل خلت رقعة الأرض من رجل يكون كما تريدين؟
ثم أردفت قائلة: لا تتزوجين ولا تلدين، ولا تعمرين منزلك، فما أنت بزوجة، ولا بأم، ولا بربة منزل، فبماذا تكونين امرأة أنثى كاملة في أنوثتها؟ أبركوب الخيل؟ والخطب الحماسية؟ والتصفيق والهتاف؟ كلا سيدتي، ليس شيء من لين الأنوثة ولا نعومتها في هذا ولا في مثله”، وبعد هذا الدرس البليغ من المرأة البسيطة إلى المستشرقة قالت المستشرقة للشيخ الزاهري رحمه الله “فما زدت على ان ودعتهن، وخرجت خزيانة منكسرة مهزومة ليس وراء ما أنا فيه من الخزي والانكسار والهزيمة غاية أخرى، وكنت أراني كل شيء عند نفسي، فصرت أراني أهون ما يكون، وكان كتابي الذي أَحب ما يكون لي، فصار أرخص الأشياء وأسمجها في عيني، ولم ينطفئ ندمي عليه إلا بعد ما محوته محواً من لوح الوجود  [من كتاب الإسلام في حاجة إلى تبشير للزاهري بشيء من التصرف].

ذلك نموذج من الأسرة التي حمت المجتمع الجزائري والإسلامي عموما من التفسخ والانسلاخ، ورغم أن الضعف الذي أصاب الأسرة، بسبب الانحرافات الفردية المطردة والمتراكمة، فإن الأسرة التقليدية لا تزال تتربع على قدر لا بأس به من التماسك والتناغم، نتيجة التماسك الطبيعي والموروثات الثقافية الدينية التي تجمع بين رضى الله والهم الدنيوي.

أما المدرسة فمعلوم دورها في البناء الإجتماعي والسياسي، ولعل أفضل نموذج للمقاومة العلمية الثقافية مدارس جمعية العلماء التي أنشأتها خلال الفترة ما بين 1931/1954، والتي ساهمت مساهمة فعالة في المحافظة على الشخصية الوطنية بأبعادها الدينية والسياسية والثقافية، وكذلك مدارس حزب الشعب وحركة الانتصار والزوايا، ذلك أن التعليم بشقيه الديني والمدني، ليس مجرد تلقين لمعلومات يتلقاها الصغير والكبير، وإنما هي قيم علمية بروح تربوية وقيمية أخلاقية، ومهما يكن من تباين في التوجهات المدرسية، فإنها إذا كان جوهرها موحدا فإنه يؤدي إلى نفس النتيجة المحصلة للمفاصلة بين المستعمِر والمستعمَر.

لقد اجتهد الاستعمار في تشويه الأسرة والمدرسة ولم يستطع، فحاول تشويه مردودهما في الواقع بالفصل بين العلم والتربية حينا، وتمزيق العلاقة بين العلم والأخلاق حينا، وببناء نخبة متغربة ثالثة ولم يفلح أيضا..، وعبارة مالك حداد رحمه الله التي قال إن الكتابة بالفرنسية -التي لا يحسن غيرها- منفاي، أي اعتبرها منفى له، وأنه لا يكتب بها إلى ليقول للفرنسيين لست فرنسيا.

وأخيرا ركز الاستعمار على تشويه القدوة، فنجح في التأثير على بعض قياداتنا الوطنية، التي يتكلم بعضها بلغة المستعمر أكثر من كلامه بلغة الحركة الوطنية، ولا نقصد باللغة اللسان، وإنما نقصد بها المنهج، فنجح الاستعمار في الوصول إلى الكثير مما كان يريد وعجز عن الوصول إليه في الأسرة والمدرسة، فتأثرت الأسرة وانحرفت المدرسة، وقبل ذلك كانت القدوة المشوهة، التي قال عنها جون جوراس النخبة الجزائرية لم تستطع البقاء على جزائريتها ولم تستطع التحول إلى الفرنسية، نسخة مشوهة، ليست بالجزائرية وليست بالفرنسية.

إن القدوة هي كل مثل أعلى في الحياة؛ لأن المجتمعات تتعلق بالمثل المجسدة في الأشخاص، فقدوة الأطفال متمثلة في آبائهم وأمهاتهم وفي معلميهم، وقدوة الراشدين في المجتمع في تتمثل في سياسييهم والمسؤولين عنهم، وقدوة السياسيين والمسؤولين في علمائهم وقياداتهم ونخبهم العلمية والثقافية.

 

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …