الرئيسية | الإسلام و الغرب | بريد الأطلس Le Courrier de l’Atlas وملف عن العلمانية والجدل حولها في فرنسا اليوم/ باريس سعدي بزيان

بريد الأطلس Le Courrier de l’Atlas وملف عن العلمانية والجدل حولها في فرنسا اليوم/ باريس سعدي بزيان

مفهوم العلمانية يستخدم اليوم في فرنسا في وجه الإسلام والمسلمين. فقد استخدمه الفرنسيون في العام الدراسي عام 1989 عندما منع مدير الثانوية في ولاية  3 فتيات مسلمات من الدخول للثانوية لأنهن كن يرتدين الحجاب وهو رمز من الرموز الدينية ويخالف العلمانية وحرمت هذه الفتيات الثلاث من الدراسة، ذنبهن الوحيد هو تمسكهن بالحجاب، وفي ليل قامت ثانوية بطرد فتيات مسلمات أيضا لأنهن أصررن على الاحتفاظ بالحجاب وتوالت العملية وشملت عدة معاهد وثانويات، وذلك في ظل حملة إعلانية فرنسية مسمومة وفي جو إسلامي مهموم وفي ظل هذه الأجواء تبرز بعض الأسماء الفرنسية ذات الوزن الثقافي مثل الكاتب آلان مينك في كتاب له تحدثت عنه مجلة Le Point 15اكتوبر 1915 بأنني قلق من تسييس الإسلام باسم العلمانية وباسم قانونها الذي صدر في ديسمبر 1905 يجب الخروج من هذا النفاق ووقف العمل بقانون العلمانية الذي صدر كما ذكرت في 1905 ولنجعل من الإسلام ديانة تسير على قانون الكونكوردا المعمول به في ستراسبورغ في منطقة الألزاس شرق فرنسا.

وباسم هذا القانون تعامل نابليون مع اليهود وظل هذا القانون ساري المفعول بالنسبة للمسيحيين واليهود وبموجبه يتقاضى رجال الدين المسيحيين واليهود مرتبات شهرية. وقد طالب بعض رجال الدين المسيحيين واليهود بتطبيق هذا القانون على رجال الدين المسلمين ومؤسساتهم ولكن بدون جدوى ولا يريد الساسة الفرنسيون الخروج من غيتو العلمانية ومسكونون بهذا الاسم حتى أنهم أطلقوا اسم العلمانية على إحدى الساحات العامة في باريس الخامسة عشر باسم ميدان العلمانية وكان الفيلسوف الفرنسي قد طالب بتدريس الديانات تجاوزا لقانون العلمانية وقال ما قاله أندري مالرو إن هذا العصر سيكون عصرا دينيا أو لا يكون. وقد عينت الحكومة الاشتراكية رئيسا للمرصد العلماني ومن اجل الحديث عن العلمانية فتحت مجلة بريد الأطلس هذا الملف لتنوير الرأي العام المغاربي الذي لا يعرف الكثير عن العلمانية وأقطابها رغم أنه ضحية هذا المصطلح، وقد شاركه في الحديث في الموضوع الأب كريستيان دولورم وهو قسيس متعاطف مع أبناء المسلمين وقد شاركهم في مسيرتهم من اجل مناهضة العنصرية، ومن اجل المساواة، التي انطلقت من مدينة ليون عامة الرون وسميت هذه المسيرة بمسيرة العصر وهو بالإضافة إلى كونه قسيسا خبير بشؤون الهجرة وشغل المنصب باعتباره عضوا في المجلس الأعلى لدمج المهاجرين من 1996 إلى 2001، وقد اشترك في تأليف كتاب مع رشيد بن زين وهو بعنوان “الجمهورية والكنيسة والإسلام” منشورات فايار في باريس، وقال واصفا للعلمانية الفرنسية بأنها علمانية فريدة من نوعها، وأن العلمانية الفرنسية التي ولدت في سنة 1905 لم تولد هكذا فجأة بل جاءت بعد صراعات كبيرة والفرنسيون اليوم ليسوا متدينين حيث عبر 40بالمائة منهم بأنهم لا يؤمنون بالله، في حين قال 30 بالمائة منهم أنهم لا يريدون الارتباط بأية ديانة أخرى، وإن هناك 10 بالمائة من هؤلاء مرتبطين بالديانة الإسلامية مقابل 1بالمائة مرتبطين بالديانة اليهودية ويقول الشيخ طارق أوبرو إمام وعميد مسجد بوردو وهو من المغرب واسم معروف كثيرا في الإعلام الفرنسي وكان في مقدمة الشخصيات التي استشارها وزير الداخلية الفرنسي قصد بعث تنظيم إسلامي موسع يشمل كافة الطبقات ذات الصلة بالثقافة والديانة الإسلامية.

العلمانية عند بعض الساسة بمثابة دين عند الآخرين ليست كذلك

للفلاسفة والمفكرين الفرنسيين الحقيقيين رأي معقول في العلمانية والجدل الدائر حولها، فمنذ فترة قصيرة فتحت مجلة لوبوانت عدد 24سبتمبر 2015 نقاشا مع صاحب كتاب “حالة فرنسا” وقد تركز النقاش حول العلمانية التي أصبحت الخبز اليومي لبعض الساسة الفرنسيين يؤازرهم كوكبة من الإعلاميين وقد شجب هذا الفيلسوف العلمانية المتغطرسة والمتسلطة.

وقال بهذه المناسبة على النظام الفرنسي أن يقبل بصراحة عادات وتقاليد المسلمين لأن المسلمين في فرنسا هم مواطنون وحقا إن المسلمين شعروا بعد أحداث شارلي إيبدو في 7جانفي 2015 أنهم مستهدفون ومبعدون من الساحة وعلى النظام الفرنسي أن يجد مع المسلمين حلا وسط مثل تقديم وجبات طعام حسب الاختيار بالنسبة لأبناء المسلمين في المطاعم المدرسية، ذلك أن أبناء المسلمين في المطاعم المدرسية لا يأكلون لحم الخنزير، فلماذا لا نقدم لهم وجبات بلا لحم خنزير، كما أنه على المسلمين من جانبهم أن يحاربوا مع الفرنسيين في بعض المواضيع حتى يكون هناك مناخ ملائم ومتجاوب بين المسلمين والفرنسيين في ظل وئام وتعايش سلمي، يقول طارق أوبرو وهو كما ذكرت يعتبره الفرنسيون شخصية إسلامية متفتحة تعيش عصرها، فقد سئل من طرف صحافي من مجلة باري ماتش قائلا “لماذا المؤسسات الإسلامية في فرنسا في وضعها هكذا هل تجاوزتها الأحداث يجيب الشيخ طارق أوبرو قائلا إن هؤلاء الذين أشرتم إليهم لا يملكون طريقة منهجية تتجاوب مع العصر الذي نعيش فيه وينبغي أن نتساءل في غمار هذا الحديث أي تعليم يجب أن نقدمه لأطفالنا الذين يعيشون في عالم لا صلة بالبدويين في القرن السابع الميلادي فالمبدأ الأساسي يجب أن يبقى ولكن الإشكالات القانونية والأخلاقية ينبغي أن تساير التطور، فالمنظرون للإسلام في الغرب يجب عليهم أن يقوموا بجهد واجتهاد لإنتاج نظريات تتماشى وتتناغم مع العلمانية الفرنسية والخروج بخطاب يتناغم أساسا مع الواقع لتحقيق ذلك يجب إصلاح علم اللاهوت الإسلامي على غرار ما هو قائم عند المسيحيين فالمسيحيون استطاعوا وعرفوا كيف يطوعون كتاب الإنجيل إلى عصرهم الذي يعيشون فيه ولماذا بالمقابل لا يقوم المسلمون بمثل ذلك، وحث مسلمي اليوم في الغرب بالقطيعة مع الوهابية السعودية والسلفية وأن الوهابية والسلفية تدعو إلى قتل الإسلام وليس إلى عودته.

ويبدو أن أفكار طارق أوبرو تتناغم مع العلمانية. وقد ارتفعت أصوات في السنوات الأخيرة في الغرب تطالب بـ فقه الأقليات فقه يستمد أصوله من الشريعة الإسلامية يتناغم مع الواقع وحقائق العصر آخذ بعين الاعتبار وجود المسلمين في بلدان مسيحية علمانية تشكل الأغلبية في حين يشكل المسلمون في هذه البلدان أقلية، وقد كتب في هذا الموضوع القرضاوي –طه العلوي- وسعيد رمضان البوطي رحمهما الله، غير أن هذا الفقه لم يتبلور ولم تتكرس أفكاره، ومرفوض من بعض العلماء وأصبح كثير من الأئمة لهم آراؤهم وأفكارهم، ولم توجد للمسلمين في فرنسا مرجعية دينية يلتف حولها مسلمو فرنسا فالأمر متروك للأئمة كل يُغني على ليلاه وكثير من أئمة فرنسا متطوعون بضاعتهم في الثقافة الإسلامية قليلة، وبهذا تجد البعض منهم يخوضون مع الخائضين في قضايا لا يعرفونها والبعض منهم صنفوا من طرف الفرنسيين كمسلمين وعلمانيين وهذا ما لمسناه من حديث الإمام محمد بن علي إمام جامع جانفيلي 48سنة من أصل مغربي وقد أدلى مؤخرا بحديث لملحقة جريدة لوفيغاروا تحدث فيه عن دفاعه عنه الإسلام والسلام والانفتاح، ولقاءاته المستمرة مع رواد المسجد وحديثه معهم عن العلمانية، ووجه نداءه إلى المصلين قائلا: إن هؤلاء الأصوليين يريدون زرع الحقد والعنصرية وتقسيم البلد وترويع الآمنين، وأقول لإخواني المؤمنين المصلين اطلب منهم ألا يسقطوا في الفخ أي فخ هؤلاء الذين لا يريدون لنا ولكم خيرا وأكد لصحيفة لوفيقارو أنه وصل إلى فرنسا 1991 قصد إنهاء الدروس في الدراسات العليا ويشغل حاليا منصب رئيس جمعية النور التي تسير هذا المسجد منذ افتتاحه سنة 2009 ويؤكد حديثه هذا بأن خطبة ودروسه للوعظ والإرشاد تتمحور كلها حول إسلام المودة والعيش معا والتسامح وأكد مرة أخرى أنه علماني مسلم ويرى في العلمانية مكسبا للمسلم بحيث تمكنه للمسلم أداء واجبه الديني بكل حرية ويبدو أن الإمام محمد بن علي في موقفه من العلمانية أشبه ما يكون بموقف محمد أركون في مقولة له مشهورة :”إن العلمانية مكسب للإسلام والمسلمين كما أن الإسلام والمسلمين مكسب لفرنسا، ومن جانب الإمام محمد بن علي فيرى أن العلمانية مكسب لديانته الإسلامية فالعلمانية كما يرى تسمح له بممارسة شعائره الدينية بكل حرية، ولا يخفي هذا الإمام أن موقفه هذا أكسبه عداء من اليمين الفرنسي المتطرف ومن المسلمين المتطرفين فمهمة الإمام صعبة وشاقة، وتارة خطرة فالإمام مهدد من طرف الأمن إن تلفظ بكلام يتنافى وسياسة البلاد من طرف الإسلامويين المتطرفين فمصالح الأمن الفرنسية شنت في آخر نوفمبر الماضي تفتيشا واعتقالات شملت عدة مساجد ومست عدة أئمة وأغلقت بعض قاعات الصلاة وطالت هذه الحملة بعضا من رؤساء الجمعيات الإسلامية وحتى المكتبات الإسلامية وكل ما هو إسلامي مستهدف وعرضة للتفتيش والملاحقة والاستنطاق من طرف مصالح الأمن الفرنسية وهل يمكن أن نبرئ المسلمين من تجاوزات عديدة إنطلاقا من الجهل والفهم السيء للإسلام وهؤلاء هم جنود في كتائب اليمين الأوروبي المتطرف الذي يوظف هذه التجاوزات في صالحه، وما أكثر تجاوزات بعض المسلمين الذين لا يأخذون بعين الاعتبار أنهم يعيشون في مجتمعات علمانية ومسيحية لها خصائصها ونمط عيشها، وتتسع دائرة اليمين بجناحيه المعتدل والمتطرف لمعاداة الأجانب والمسلمين على الخصوص في حين نرى اليسار أقل عداء للأجانب والمسلمين فقد عبر 46بالمائة من اليسار عن رأيهم فيما يتعلق بالمهاجرين الجانب واعتبرهم ضروريا للاقتصاد الوطني الفرنسي ويبقى الجدل محتدما بين أنصار العلمانية وغيرهم ونجد من المسلمين من يشيد بالعلمانية فالشيخ طارق اوبرو عميد مسجد بوردو الذي ورد ذكره سابقا واحد من هؤلاء.

فالشيخ طارق أوبرو يعتبره الفرنسيون رجل ديني تنويري يعيش إسلام العصر ويتفاعل مع تطورات الزمان وهو من الأئمة المسلمين من يعترف بالعلمانية وضرورة التعامل معها يقول الشيخ طارق أوبرو بهذا الصدد: “علينا أن نأخذ بعين الاعتبار قانون العلمانية الذي صدر في فرنسا في ديسمبر 1905 والذي مضى عليه أكثر من قرن هذا القانون الذي تدين به فرنسا وهذا القانون هو الذي خول لنا القيام بشعائر ديننا في ظل الحكومة الفرنسية العلمانية وعلينا أن نكيف الإسلام مع العقلية الفرنسية ولست أدري شخصيا ماذا يعني الشيخ طارق أوبرو بتكييف الإسلام مع العقلية الفرنسية وكيف ذلك والخلاصة نحن دوما بالتواصل مع سيرة ومسيرتة الإسلام والمسلمين في الغرب انطلاقا من واجبنا كمسلمين أن نهتم بإخواننا المسلمين أينما وجدوا فهم منا ونحن منهم نشاطرهم آمالهم وآلامهم ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ووفقنا الله لما فيه خير الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

صفحات من تاريخ الإسلام والمسلمين في فرنسا بأقلام كتاب عرب ومسلمين/بسعدي بزيان

لعله من الغرابة بمكان ونحن نملك جالية إسلامية في فرنسا يزيد عددها على ملايين نسمة، …