الرئيسية | في رحاب الشريعة | دراسة السيرة النبوية على ضوء الآيات القرآنية والأحاديث النبوية (1)/ محمد مكركب

دراسة السيرة النبوية على ضوء الآيات القرآنية والأحاديث النبوية (1)/ محمد مكركب

فهم الدين يعني فهم الحياة، وفهم الحياة هي غاية الدراسات والبحوث والتعلم كله، ولا تستقيم حياتنا إلا بالدين، ومصادر التفقه في الدين، والتدين العملي الصحيح يَتِمُّ بالأخذ من المصادر الثلاثة: القرآن، والحديث الشريف، والإجماع. ومن ثم فإن الدراسة الهادفة والواعية للسيرة النبوية قوامها هذه المصادر: الآيات القرآنية المحكمة، والأحاديث النبوية المتواترة، وما أجمع عليه الخلفاء الراشدون، والتابعون من الأئمة الأعلام. فكل دراسة تتعلق بالدين في أصوله، والشريعة في أحكامها، والفقه في مسائله، يجب أن تؤصل بالقرآن والحديث والإجماع.

إن الهدف من هذه الدراسات والبحوث الشرعية الفكرية: التأصيل بالدليل من الآيات، والبلاغُ المبين بالأولويات. ليزداد المؤمن اطمئنانا في حياته الإسلامية، ولتتضح صورة الإسلام لغير المسلمين، خصوصا أولئك الذين يُغَالَطون، إما من قبل المتنطعين من داخل المجتمع الإسلامي، أو الطاعنين في الإسلام من خارجه..أولا: ماذا نعني بالسيرة النبوية؟.ثانيا: ما هو الهدف من دراسة السيرة النبوية؟.ثالثا: ما الذي ندرسه في السيرة؟ أو ما هي موضوعات السيرة؟ قبل توضيح هذه المسائل، أقول:

من بين الأسباب التي أدت إلى تطاول بعض المغامرين على الفكر الإسلامي: هو سوء عرض السيرة النبوية في بعض جزئياتها، من قبل الذين كتبوا فيها بغير تحقيق، ولا تدقيق، ولا توثيق. وكثير من أحداث السيرة تفتقر إلى التأصيل ووضوح الدليل، وأغلب كتاب السيرة قد اهتموا بجزئيات وفرعيات لا تبنى عليها عبر ولا عظات، ومنها ما هو من الخصوصيات الزمانية أو المكانية والظروف الخاصة جدا، ومع ذلك يتداولها رواة السيرة ويبرزونها فوق أمهات القضايا. فكان هذا من بين الأسباب التي جعلت المتطاولين يشككون في التراث الإسلامي عموما، والحديث والسيرة خصوصا، كما أن سوء عرض السيرة النبوية، وسوء التعريف بالإسلام من قبل بعض المسلمين، أديا إلى اختلاف التضاد بين الدعاة أنفسهم، وهذا من بين أعقد مشاكل الدعوة الإسلامية منذ زمان.

وهناك تساؤل لطيف: لماذا كل قصص الأنبياء تدرس في القرآن وبالقرآن، والذي أُنْزِل عليه القرآن تدرس قصته خارج القرآن عموما عند فهم كثير من الدارسين، من بعض الخاصة والعامة، لأن بعضهم لا يدرك الغرض من كون السيرة كبحث علمي مستقل في تاريخ حياة النبي عليه الصلاة والسلام، ذلك البحث المؤصل بالقرآن والحديث والإجماع، إنما يعدون السيرة مصدرا ثالثا للشريعة أو مرجعا ثالثا بعد القرآن والسنة، بما فيها من المحقق وغير المحقق ومن ثم تقدم بعض أحداث السيرة كسرد تاريخي بغير تأصيل.

ثم إن كُتَّاب السيرة اتبعوا طريقة نمطية واحدة في فقرات ونصوص يتناقلونها من سابق للاحق، مع فارق في المترادفات، واختلاف في ترتيب الفرعيات، وهذا دون أن تنكر جهود المجتهدين، وجديات المخلصين، ومحاولات المجددين المصيبين. وهذا المقال خلاصة لمقدمة طرح الإشكالية فحسب، لهذا الموضوع الهام في علوم الدين في مجال السيرة النبوية.

1 ـ ما هي السيرة النبوية؟

أولا: المعاني اللغوية: سيرة الشخص هي: الصورة الشاملة لحياته من ميلاده إلى وفاته، أو هي تاريخ مسيرة حياته. وتطلق السيرة على الطريقة والحال والسلوك والخصائص التي يعرف المقصود بالحديث عن سيرته، وطريقة حياته. وفي هذا المعنى ورد في القرآن ذكر السِّيرة. قال الله تعالى عن عصا موسى عليه السلام:{قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى}(طه:21) قال الزمخشري:” السيرة من السير: كالركبة من الركوب. يقال: سار فلان سيرة حسنة، ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة. وقيل: سير الأوّلين”.

وفي التحرير والتنوير قال ابن عاشور:” والسيرة في الأصل: هيئة السَّيْر، وأطلقت على العادة، والطبيعة”.

ثانيا: المصطلح: إذا سمع المؤمن كلمة [السيرة] ينصرف المعنى عنده مباشرة إلى سيرة خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام. لكن الأصح، إذا أريد الإخبار عن قصة محمد صلى الله عليه وسلم. يستحب أو يجب أن يقال:[ السيرة النبوية] وهي حياته صلى الله عليه وسلم من الميلاد إلى الوفاة. وبما أن محمد بن عبد الله هو خاتم النبيين ولا نبي بعده كان إطلاق كلمة النبي تعني محمدا عليه الصلاة والسلام. ولكن التمام أن يكون العنوان لمن أراد أن يذكر مصطلح كلمة (السيرة) هكذا:[ كتاب السيرة لخاتم النبيين محمد بن عبد الله. صلى الله عليه وسلم] وقد يختار المؤلف عنوانا آخر.

2 ـ تثبيت وتوضيح: رواية السيرة النبوية كبحث خاص بحياة النبي عليه الصلاة والسلام وكما هو مروي في كتب سيرة النبي عموما من: ابن إسحاق، إلى ابن هشام، إلى ابن كثير، وإلى كل الذين كتبوا في السيرة من المجتهدين المحققين. ذلك البحث وتلك الدراسات لها شأنها وقيمتها. فقولنا إن السيرة تؤخذ من القرآن والحديث لا يعني القول بإلغاء كتب السيرة على تلك المنهجية النمطية المألوفة وإنما الذي نعنيه.

أولا: أن الذين يقدمون دروس السيرة النبوية للناس يجب أن يؤصلوا كل حادثة وواقعة بالقرآن أو الحديث أو الإجماع وأن يبينوا بكل ما يطمئن القارئ، ويبعث على اليقين، وبما يقنع غير المسلم. لا ينبغي أن تقدم السير كبحث تاريخي عاد، أو كترجمة حياة أي شخص من الأشخاص، تحت عبارات [قال فلان كذا، وقيل كذا، واختلفوا في كذا، وقال فلان منسوخ، وقال غيره محكم]. عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان؟ قال: أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول: [من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار] (البخاري.كتاب العلم.107).

 ثانيا: أن يكتفوا بالكليات والأصول التي تبنى عليها عبر عامة مطلقة، أو أحكام واضحة في مسائل تهم المسلمين في كل زمان وتوضح الصورة المشرقة للإسلام، وأن لا يقدم الدارس والواعظ والكاتب للعامة حادثة من السيرة النبوية لا يعرف سببها ولا الحكمة من ورائها ولا الغاية التي يريد بلوغها، ويكتفي بمجرد رواة الحدث.

3 ـ  الغاية من دراسة السيرة النبوية: هي معرفة النبي عليه الصلاة والسلام  للعمل بقول الله تعالى:{لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب:21) في مجال الاهتمامات التالية: 1 ـ الأخلاق والقيم الإنسانية. 2 ـ الأحكام الشرعية. 3 ـ فهم بعض العاني والأحكام الواردة في القرآن.4 ـ فقه السياسة الشرعية. 5 ـ وضوح المفاهيم الدينية من خلال التطبيق العملي. 6 ـ بناء الأسرة والمجتمع والدولة. 7 ـ  فهم أحكام المعاملات والجهاد والعلاقات الدولية. وغير ذلك.

كما أنه من الأهداف الكبرى من دراسة السيرة النبوية أن يتعرف الدارس على حقائق الإسلام تطبيقا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في كل مجال من مجالات الحياة البشرية، فليس في التاريخ سيرة أعظم من تاريخ حياة محمد بن عبد الله وهو سيد ولد آدم فكان الواجب على كل ولد آدم بعد بعثة خاتم النبيين أن يطلع على سيرته وأن يقف على كل صغيرة وكبيرة في حياته ودعوته عليه الصلاة والسلام، لكن هذا الذي يقرأ السيرة النبوية مسلما كان أم غير مسلم يجب أن يجد في السيرة حقائق مؤصلة ثابتة، وواضحة هادية وهادفة، وتبرز الصورة الجليلة والجميلة والمحكمة للإسلام والمسلمين. فالسيرة ليست موضوعا إنشائيا يتدرب عليه طلبة العلم.

ومن أهداف دراسة السيرة الجمع بين معرفته صلى الله عليه وسلم كبشر كامل الخصائص البشرية، وكرسول يوحى إليه. قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} قال الإمام محمد الغزالي في فقه السيرة:” إنّ المسلم الذي لا يعيش الرسول صلى الله عليه وسلم في ضميره، ولا تتبعه بصيرته في عمله وتفكيره لا يغني عنه أبدا أن يحرك لسانه بألف صلاة في اليوم والليلة” (مقدمة كتاب فقه.ص:7).

وقال تبارك وتعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(آل عمران:31). وآيات كثيرة تأمر باتباع النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف يتبع المسلم النبي عليه الصلاة والسلام ويتخذه قدوة، إذا لم يعلم سيرته بالتفصيل مع الدليل. لكن مع فهم، التعامل مع أحداث السيرة، التي ليست كقصة تاريخية، أو مجرد رواية عن بطولة بشرية، إنما تدرس السير لمعرفة الحِكم، والأحكام، والعبر. والخلاصة في مقال المقدمة نذكر بأنه ينبغي لكل كاتب في السيرة النبوية، والذي يعلم الناس السيرة النبوية، أن يراعي هذه الأمور:

1 ــ ما من حادث يذكره إلا يجب أن يؤصله بالقرآن أو الحديث أو الإجماع من المراجع المتفق عليها.

2 ـ ما من حادث يكتبه أو واقعة يذكرها إلا بين  مقصدها ومناسبتها والغاية من روايتها وما هي القيم أو الأحكام أو العبر، بمعنى ما هي الفائدة من وراء ذلك؟

3 ـ  تبيان ما هو من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم.

4 ـ أن يتصور الكاتب والدارس معا عندما يؤلف في السيرة أو يعلمها أن كل خبر يقوله عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن الصحابة، أو عن الدين بصفة عامة، يجب أن يقدم ما يقال عن النبي صلى الله عليه وسلم مبرزا لعظمة شخصيته صلى الله عليه وسلم، لا ليفتح ثغرة للشبهات والأقاويل.(يتبع البحث إن شاء الله تعالى).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

مناسك الحج يوم النحر وأعمال الحجاج في الأيام المعدودات/ محمد مكركب

إذا دفع الحجاج من مزدلفة يوم العيد بعد صلاة الصبح وبعد ذكر الله عند المشعر …