الرئيسية | أقلام القراء | التقارب الثقافي ضرورة من ضروريات تعزيز الوحدة/ د. إبراهيم نويري

التقارب الثقافي ضرورة من ضروريات تعزيز الوحدة/ د. إبراهيم نويري

لقد أثبتت الوقائع والتجارب أن توسيع الهوة وتعميق الجفوة بين المثقفين، وأهل الرأي والقرار، ما هو إلا صورة من صور الاستنزاف الذاتي الذي من شأنه تعطيل الحراك الصحيح المرتبط برغبة النهوض والتغيير الإيجابي على كافة الأصعدة، وفي مختلف المجالات التي ينبغي أن تطالها عملية التطور، لأن مسار التنمية نفسه قائم على سنّة التطوير والتغيير المطّرد.

وهذا لا يعني بداهة عدم فتح أبواب الحوار، أو مصادرة حق الاختلاف، فهذا ما لا يقول به عاقل أبدا؛ بل إنما المقصود هو أن تتوفر إرادة قوية مسنودة بعوامل النجاح، تعمل على رصد العلامات والقواسم المشتركة بين التيارات الفكرية، واستثمارها بمنهجية في دعم البناء الداخلي للأمة. وأيضا استثمارها على مستوى كلّ قطر لتعزيز الوحدة الوطنية، وتفعيل مكوّنات الوئام والسلم الاجتماعيين.

إنني أعتقد مخلصا أنه بعد تراجع بريق أيديولوجيات القهر والتغلب، وتعرية الكثير من المذاهب والأفكار الغربية المعاصرة، ثم ظهور العولمة مبشرّة بمنظومة من (النهايات)، ومنها نهاية التاريخ، التي قال بها المؤرخ الياباني المتأمرك (فوكوياما)، إلى جانب بروز نزعة التحالف، والتكتل على أساس مصلحي، يروم حفظ مصالح ورغائب الإنسان الغربي، ومكتسبات الحضارة الغربية كأولوية عاجلة وثابتة. فإنه بالمقابل من الواجب على مثقفي العالم العربي والإسلامي تقديم مصلحة المنطقة وشعوبها ومستقبلها وطموحاتها وتطلعاتها، وهذا يقتضي فتح المزيد من قنوات الحوار وتبادل الآراء بين النخب المثقفة الواعية، المستوعبة للمتغيرات الدولية، والتفاعلات الحضارية والفكرية والسياسية من أجل تفعيل العمل لتقريب الآراء ووجهات النظر، ووضع قواعد موضوعية، ومناخ ملائم يسمح للنخبة التي تعيش حالة من حالات الاغتراب الثقافي والإلحاق الفكري بالآخر الحضاري، بالتراجع عن تلك التوجّهات ومراجعة تلك المنطلقات، والعمل على ترسيخ القناعات المفيدة المؤدية إلى وضوح الرؤية وتصحيح المسار، والمحافظة على مكاسب ومصالح أمتنا، لأنّ واجب أهل الأدب والفكر كما يقول الدكتور محمد جابر الأنصاري في مقال له بعنوان: “أين يقف فكرنا وأين وصل واقعنا؟

إن واقعنا قائم على الحقائق الثابتة، والقيم الراسخة، والنظرات البعيدة، والمواقف المبدئية، ومسؤولية الأديب والمفكر الأخلاقية، والمعنوية أكبر، وبما لا يُقاس من مسؤولية السياسي. فالناس أحيانا يتفهمون انحناءة السياسي للظروف الوقتية من أجل تغيير الأمر الواقع مستقبلا، لكنهم ينظرون للأديب والمفكر على أنه موقف أخلاقي، وضميري، وفكري، وتاريخي قبل كلّ شيء”؛ فمقتضى هذا الكلام أن النخب أو الأنتلجنسيا في العالم العربي والإسلامي عليها أن تبلور رؤية جديدة للتقارب والتفاهم، وتقليص مساحات الاختلاف والتنافر والتباغض، ولا شك أن رسم هذا الإطار والالتزام بقواعده ومقرراته يتيح الحرية ولا يحجر على الرأي والنظر. لكنه لا يجعل حرية التعبير والإبداع بابا للصراع واستنزاف الطاقة الذاتية للأمة، وقواها المذخورة في إيهابها، أو داخل كيانها الكبير.

وبطبيعة الحال فإن هذا لا يعني بحال إقرار المواقف، أو الجوانب السلبية، سواء في تراثنا الفكري، أو في واقعنا الماثل المعيش، فهذا مما لا ينبغي أن يخطر على البال منذ البداية، إنما المقصود وضع إطار عام أو خطة منهجية لتخفيف الجفوة والاختلاف بين التيارات الفكرية في الساحة الثقافية العربية والإسلامية؛ إنَّ أي عمل كهذا بات ملحا اليوم في عصر التكتلات والتقاربات المصلحية أو المبدئية على حد سواء، وبات يفرض نفسه في واقعنا بكلّ آفاقه وأبعاده الثقافية والفكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية ونحوها.

إن أي محاولة أو مبادرة جادة تستهدف إنهاض الأمة وتطوير واقعها إلى ما هو أفضل وأجدى، لابد أن تنبثق من تاريخ هذه الأمة، ومن مرجعيتها الثقافية المتنوعة، المكوّنة لهُويتها وأصالتها، لأن ترابط وحدات الزمن في حياة الأمم يشترط في كل محاولةِ نهوض أن يمتلك آصرة أصيلة فاعلة، وقادرة على ربط الحاضر بالماضي، ووصل الراهن بالسابق ببصيرة ووعي، لكنه وعي استثنائي مناسب للّحظة الحضارية والزمنية الاستثنائية.

ولعله من حسن الطالع والحظ أن الواعين الحقيقيين من أبناء أمتنا الكبيرة يدركون تماما قيمة ووزن هذه الخطوة الحضارية لأنهم على دراية بمراميها ومقاصدها البعيدة؛ إن الحق ليس الشمعة التي تضيئك من الداخل فحسب، بل هو أيضا الشعاع الذي تبصر عليه مسارك في الحياة؛ وليس هناك أولى من المثقف بالاهتداء إلى الحق والرشد من أجل الارتقاء بالأمة إلى المكانة والعزة التي تستحقها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلسلة تاريخ الحلقات العلميّة في ورقلة/ إبراهيم بن ساسي

في هذه الإطلالة الموجزة وفي هذا الشهر الرّمضاني الكريم نورد — إن شاء الله — …