الرئيسية | أقلام القراء | قرن على الاحتيال لنصف قرن من الاحتلال/ الأستاذ محمد الحسن أكـــيـــلال

قرن على الاحتيال لنصف قرن من الاحتلال/ الأستاذ محمد الحسن أكـــيـــلال

 منذ حوالي أسبوعين صرحت السيدة “تيريزا مي” رئيسة الحكومة البريطانية قائلة: “إنني فخورة بوعد بلفور وبإنشاء دولة إسرائيل”.

 

وهذا التصريح كان ردا على التحرك الفلسطيني الدبلوماسي تجاه بريطانيا التي ترأس حكومتها هذه السيدة المتعجرفة لطلب الاعتذار من الشعب الفلسطيني على الجرم الذي ارتكبته بلادها في حق الشعب الفلسطيني الذي احتلت أرضه من قبل أولئك الذين ساعدتهم بريطانيا العظمى على إنشاء دولة في أرض ليست لهم.

ليتها واصلت الحديث عن كون بلادها وأسلافها هم الذين غزوا أمريكا الشمالية وقاموا بإبادة جماعية لسكانها الأصليين وأسست فوق أراضيهم الولايات المتحدة الأمريكية التي خلفتها في مستعمراتها وتنشئة الدولة الصهيونية على أخلاقها ومبادئها وسنتها العدوانية الإجرامية التي ما زالت متواصلة إلى اليوم دون أي رادع أخلاقي أو إنساني.. لم تكن لتواصل الحديث لأنها ستصل إلى ما يجفف حلقها حين تتذكر أن ذلك الشعب الذي زرعته في أمريكا الشمالية قد طردها منها بهزيمة عسكرية شنيعة ثلثها حرب أهلية بين الشمال والجنوب حصدت أرواح الآلاف من أسلافها المستعمرين العنصريين.

هذا هو منطق الإنسان الأبيض المستعمر، لم يتغير رغم كل ما حدث له من قبل تلك الشعوب التي احتلت أراضيهم، ابتداء من الهند مرورًا بالهند الصينية وصولا إلى الجزائر فجنوب إفريقيا، منطق الإنسان الأبيض البريطاني والفرنسي والهولندي والبلجيكي والإسباني والبرتغالي لم يتغير حتى ولو تغير الأسلوب والمنهجية والوسائل، فقد تواصل بغزو العراق وأفغانستان وتدميرهما ثم سوريا وليبيا وقبلها الصومال والسودان والقائمة ما زالت مفتوحة إن لم ينتعش الوعي لدى شعوب العالم الثالث.

 

إن هذه الدول التي بدأت بالنظام الإقطاعي هي التي تطورت لتطور هذا النظام إلى النظام الرأسمالي الحالي، سبب كل الكوارث التي حلت بالبشرية وما تزال وهي الآن على ما يبدو بدأت تعد العدة لمواصلة الغزو والاحتلال لنهب الثروات التي بدأت فعلا تتناقص على سطح الكوكب جراء الاستنزاف الذي واصلته خلال أكثر من قرنين من الزمن ولتتخلص من أزماتها المالية المتزايدة باطراد على حساب الشعوب المتخلفة حضاريا وتكنولوجيا.

لقد بدأت بريطانيا وحليفتها فرنسا الاحتيال على الخلافة العثمانية بتحريك بعض القيادات العربية بإيقاظ النعرات العصبية والشعوبية فيها لتساعدها بنفسها على تنفيذ مخططاتها الاستعمارية الدنيئة؛ فقد اتفقت الدولتان منذ عام 1907 على التقسيم النظري للعالم الإسلامي عامة والعربي خاصة وراحت تصعد في عمليات التنفيذ شيئا فشيئا حتى تم ما أرادت باحتلال أرض والانتداب على أخرى، فكان حظ الجزائر الاحتلال حتى قبل عام 1907 وحظ فلسطين الانتداب ابتداء من الحرب العالمية الأولى، ولم تخرج منها حتى هيئت الظروف للمحتل الصهيوني الذي وضعت تحت تصرفه كل الإمكانيات والوسائل ليتغول في فلسطين ويبتلعها بعد أن أسكت كل الدول العربية من خلال هزائم عسكرية متتالية انتهت بالاستسلام، استسلام مصر باتفاقية “كامب ديفيد” ثم كل العرب مجتمعين بمبادرة السلام كخيار استراتيجي أعدها ولي العهد السعودي ثم الملك “عبد اللـه بن عبد العزيز” فيما بعد ويواصل الدرب سلفه “سلمان بن عبد العزيز” الذي يبدو أنه وأهله وأشقاؤه في الخليج قد اعتنقوا فعلا العقيدة الصهيونية حسب ما يبدو من أحداث مختلفة نقلتها وسائل الإعلام العبرية والعالمية.

لقد أفضى ذلك الاحتيال فعلا إلى احتلال تدريجي لأرض فلسطين، بدأ منذ عام 1967 إثر الهزيمة المنكرة التي ألحقت بالجيوش العربية بقيادة مصر جنوبا وسوريا والأردن شمالا وشرقا. إنها هزيمة منكرة، لكنها لم تكن من طرف الصهاينة، بل من قبل أمريكا وحلفائها الغربيين وعلى رأسهم بريطانيا وفرنسا.

مضحك جدًّا ما يقال عن طلب الفلسطينيين من بريطانيا الاعتراف بخطئها أو طلب الجزائريين من فرنسا الاعتراف بجرائمها خلال مدة مئة وثلاثين سنة من الاحتلال والإبادة الجماعية بالسلاح والتفقير والتهجير والأمراض.

المؤلم أن العقيدة الصهيونية هذه استطاعت فعلا أن تجذب إليها نخب شعوب عربية وإسلامية عديدة وأصبحت تهرول إلى عواصم هذه الدول طمعا في الحياة الرغيدة فيها بدل أوطانهم التي فرضت عليها أنظمة حكم فرض عليها هي بدورها أسلوب الحكم الفاسد من قبل هذه الدول الاستعمارية الرأسمالية؛ إنها منهجية مضبوطة بدقة وإحكام لوضع الشعوب أمام خيارين أحلاهما مر، إما الاستكانة لفساد حكامهم أو تدمير أوطانهم بأيديهم وأيدي الكافرين مثلما بدأ العمل بذلك بالربيع العربي والإرهاب الإسلامي، والإسلام بريء منه براءة الذئب من دم يوسف.

مئة عام من الاحتيال وخمسون عاما من الاحتلال، والعرب يتفرجون، ولا شك أن بعض المسؤولين في بعض الدول سيدعون إلى دولة إسرائيل لحضور الاحتفال بمناسبة المئوية على صدور “وعد بلفور” وهم يعلمون جيدا أن العدو الذي يتملقونه ويتزلفون له، ربما ظنا منهم أنه سيعود إلى رشده ويقبل بمبادرتهم للسلام كخيار استراتيجي، وهم طبعا واهمون، فهو يعد هذه الأيام للاحتفال بقرار الحكومة الصهيونية بناء عشرة آلاف وحدة سكنية في غرب القدس الشرقية، في “قلندية” وهي أرض محتلة لا تعترف الأمم المتحدة باحتلالها.

يعدون للاحتفال ببداية سلسلة من الاغتيالات لقيادات فلسطينية أولاها المحاولة الفاشلة لاغتيال اللواء “توفيق أبو نعيم” أحد أكبر قادة المقاومة. والاغتيالات لا شك ستتواصل لإرهاب الشعب الفلسطيني ولإقناعه بقبول الأمر الواقع.

الحمد لله على صحوة ضمير قيادات فتح وحماس التي بدأت فعلا العمل الإيجابي الذي هو وحده من سيساعد على التحرير.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحراك والبعد الثقافي/ عبد القادر قلاتي

ما نمر به اليوم من أحداث مؤشر على عملية تحوّل حقيقي، قد لا يفضي إلى …