السبت 14 شوال 1441ﻫ 6-6-2020م
أخبار عاجلة
الرئيسية | في رحاب الشريعة | المحافظة على الأمانة في التوحيد، والعبادة، والأخلاق/ محمد مكركب

المحافظة على الأمانة في التوحيد، والعبادة، والأخلاق/ محمد مكركب

من الفرائض العظيمة الجامعة للواجبات الدينية: الأمانة الدينية؛ وهي الوفاء بالميثاق الذي واثق الله به عباده على إقامة الدين، فالأمانة الدينية عهد بين الله وعباده على أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. ولجهل كثير من الناس قيمة عظمة الأمانة الدينية، فهم يقعون في نقيضها، ونقيض الأمانة الخيانة، فإذا حافظ العبد على الأمانة الدينية كان من السعداء الذين يفوزون بالجنة، فهل تدبرتم هذه الآية: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.

هل حافظ الإنسان على الأمانة التي حملها؟ ومنها: أمانة التوحيد؟ وأمانة العبادة؟ وأمانة الزوجة والأولاد؟ وأمانة الجوار والوطن؟ وأمانة الولاية أيها الأمراء؟ هل علمتم قيمة الأمانة؟ نعم، لاشك أنك تسأل من جديد: ما هي الأمانة؟ الأمانة بالتفصيل هي: كل ما يؤتمن عليه المرء، من أمر ليقوم به، ونهي ليجتنب ما نهي عنه، في شئون الدين والدنيا. والمراد بالأمانة جملة، هي: التكاليف الدينية.

وعلمتم من منبر البصائر، أن الدين هو النظام الشامل الكامل لتنظيم حياة الإنسان وترتيب وتبيان كل ما يقتضي القيام به، عقيدة، وشريعة، وأخلاقا. وسميت الأمانة، أمانة من الأمان، لأجل أن يأمن الناس بعضهم بعضا إذا أدوا الأمانة، أي أعطوا كل ذي حق حقه. لأن الأمانة حقوق أوجبها الله على المكلفين وأتمنهم عليها، وأوجب عليهم تَلَقِّيها بالطاعة والانقياد، وأمرهم بالمحافظة عليها وأدائها دون الإخلال بشيء منها، لأن بأداء الحقوق لأهلها يتحقق الأمان، لذلك قالوا: الأمانة أمان، والأمان من الأمن، وكل من الأمانة، والأمان من الإيمان، فلا يتحقق الأمان، ولا يكتمل الإيمان، إلا بالمحافظة على الأمانة، هل علمت سِرَّ الاهتمام بدراسة موضوع الأمانة؟.

ومن المحافظة على الأمانة الدينية إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وقراءة القرآن، والذكر، والشكر، وحقوق الجار، والوطن، وغير ذلك من التكاليف الشرعية، فإقامة الدين كلِّهِ لله أمَانةٌ، وعصيان الله خيانةٌ. قال الله تعالى:﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(سورة الأنفال:27) تصوروا لو قيل لتارك الصلاة إنه خائن لربما استغرب ذلك، ولو قيل للزوجة التي لا تقيم الصلاة، أو تعصي زوجها، لو قيل عنها إنها خائنة، لربما استغربت ذلك. لكنهم لا يعلمون أن الخيانة الكبرى خيانة الدين، ولذلك كان الشرك ظلما عظيما. وفي القرآن الكريم:﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما﴾ ضرب الله مثلا بَيَّنَ به حال الكافرين الذين يخونون الله في الدين، لظلمة الجهل في قلوبهم، وفساد فطرتهم، فكان من الذين خانوا الأمانة: امرأة نوح وامرأة لوط إذ كانتا في عصمة نبيّين، وكان يمكنهما أن تكونا أمينتين لكنهما خانتا بالنفاق والظلم.

ومرة أخرى لماذا الدعوة إلى المحافظة على أمانة الدين بإلحاح وتوكيد، لأن كثيرا من الناس نسوا الله وضيعوا هذه الأمانة فنزلت الأزمات والفتن والحروب بينهم، واقرؤوا هذه الآية لتعلموا حقيقة ما يقال﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾(سورة الأعراف:96).

فإذا ترك الناس الصلاة واتبعوا الشهوات، وتركوا الزكاة وتعاملوا بالربا والرشوات، ولم يتوبوا إلى الله، أصيبوا بالأزمات، فيضعف اقتصادهم، ويتطاول عليهم عدوهم، حتى يحارب بعضهم بعضا. وهذا هود يقول لقومه:﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾(سورة هود:52).

تجد بعض الناس ينتمون للإسلام ومع ذلك يخونون الدين يبيحون التعامل بالربا، ويبيحون بيع الخمر في مجتمعهم علنا، ويبيحون التبرج الجاهلي، فإذا دعوا إلى العمل بما أمر الله تعالى قالوا: إنهم أحرار، يعملون بما شاءوا من أمر الله، ويتركون ما شاءوا. ولم يلتزموا بحكم الله تعالى:﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً(سورة الأحزاب:36).

فإذا قرأت بعض المسلمات قول الله تعالى:﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ قالت إحداهن: مازلت لم أقتنع؟ تقول: لا ترتدي الخمار كما أمر الله حتى تقتنع. وبعضهم أصحاب البنوك يقولون: لا يتوقفون عن التعامل بالربا حتى يقتنعوا. وبعضهم لا يصلي أو ينشغل عنها حتى يفوت وقتها، وبعض المدارس لا تعلم التلاميذ الشريعة ولا تلتزم بها. فكيف يستقيم أمرهم، وكيف يزدهر اقتصادهم. قال الله تعالى:﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾(سورة مريم:59/60). قال القرطبي: “إضاعة الصلاة من الكبائر التي يوبق بها صاحبها ولا خلاف في ذلك، وقد قال عمر: ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع”. ووجه الاستدلال (من ضيع الصلاة فهو لما سواها أضيع) فالذي يخون الله في الصلاة أو في الزكاة، والمرأة التي تخون المبادئ ولا تلتزم بشرع الله في اللباس ولا تستحي من الله هل أدت الأمانة؟ والذي يعطي رخصة لبيع الخمر، وحفلات الغناء والرقص هل حافظ على الأمانة؟، والذي عَمَلُه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تطبيقا في الميدان، ويرى تارك الصلاة لا يصلي ولا يأمره بذلك، ويرى من يبيع الخمر ولا ينهاه، ويرى من يشربها ولا ينهاه، هل حافظ على الأمانة؟ فأين هي أمانة هؤلاء جميعا؟

والمعلم الذي لا يربي التلاميذ والطلبة على القيم الدينية الإسلامية، ومن علامات تعليمهم القيم الإسلامية أنه يعلمهم الصلاة، عيب ثم عيب على المعلم والأستاذ الجامعي الذي لا يحرص على تعليم الطلبة القيم التربوية ومنها الصلاة والزكاة وسائر الواجبات، وكل ذلك بآيات الأحكام، وهل هناك قيم تربوية تأديبية بغير آيات الأحكام والأحاديث النبوية، ومن ثمرات التربية الحقيقية أن يتخرج الطلبة وهم يقيمون الصلاة، ويحفظون القرآن، ويسلكون مكارم الأخلاق، إلى جانب تخصصاتهم العلمية. فإذا سمعت أبا يشكو ولده على أنه عصاه، فاعلم أن السبب تقصير الوالد في التربية، فما علمه القرآن ولا الصلاة ولا رباه. وإذا سمعت بعض الأمراء وبعض العلماء يشكون ويتذمرون ويغضبون على الشباب الذين يتطرفون إلى دركة الحرابة ويخرجون على الأمة، فاعلم أن السبب هو التفريط في تعليمهم القيم، هو التقصير في إعطائهم حقهم من العلم النافع، والتربية الصالحة. فلو عبدنا الله تعالى حق العبادة، وعلمنا أولادنا حقيقة العبادة وأمرناهم وألزمناهم بذلك لفتح الله علينا البركات، وحقق لنا الأمن، والسكينة، والاستقرار، والطمأنينة والازدهار، ولكننا عصينا العزيز الغفار. وكأننا لم نقرأ قول الله تعالى:﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾(سورة النور:55).

قال القرطبي:” وقال قوم: هذا وعد لجميع الأمة في ملك الأرض كلها تحت كلمة الإسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام: (زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها)” قال القرطبي:” واختار هذا القول ابن عطية في تفسيره حيث قال: والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور، واستخلافهم هو أن يملكهم البلاد ويجعلهم أهلها، كالذي جرى في الشام، والعراق، وخراسان، والمغرب. قال ابن العربي: قلنا لهم هذا وعد عام في النبوة والخلافة وإقامة الدعوة وعموم الشريعة، فنفذ الوعد في كل أحد بقدره وعلى حاله، حتى في المفتين، والقضاة، والأئمة” فالمسلمون ماداموا على حقيقة الإسلام لا يخافون عدوا، ولا تصيبهم أزمة اقتصادية أبدا، قلت: إن كانوا مؤمنين حقا. وفي الحديث عن ثوبان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا](مسلم.كتاب الفتن.2889).

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

أمجـــاد رمضـــان

أ. د. ليلى محمد بلخير/    إن لرمضان وقعاً مؤثراً في قلوبنا، نحبه ونشتاق إليه، …