الرئيسية | شعاع | فريضة الدعوة إلى الله تعالى أسبوع للدعوة الإسلامية في الجزائر/ حسن خنليفة

فريضة الدعوة إلى الله تعالى أسبوع للدعوة الإسلامية في الجزائر/ حسن خنليفة

أتصوّر أن الأكثرية الغالبة منا تشعر بكثير من التقصير في مجال الدعوة إلى الله تعالى، تلك الغاية الشريفة التي انطبعت في أذهاننا، ونحن ندرج في حقل العمل الثقافي ـ الديني العام، في الجامعات والمؤسسات العلمية والتربوية قبل نحو ثلاثين عاما من الآن. وتلك الغاية هي: “إن الدعوة إلى الله فريضة شرعية وضرورة بشرية”، وقد كان ديدن الغالبية من جيلنا والجيل الذي يلينا، في أزمنة سابقة، هو العمل في هذا المجال الأخروي الرحيب  الرائع المجزي ذي العائد الكبير:

  • أجرٍ عند الله تعالى، {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ} [الشعراء: 88].
  • وعملٍ على التمكين لدين الله تعالى الذي هو ملاذ المسلمين والمسلمات، في كل وقت وحين.
  • خدمةٍ للمجتمع بتقريبه من الصواب، وتصحيح مفاهيمه في الدين والدنيا والصلاح والإحسان.

وقد جاءت ظروف وملابسات عصفت بهذه الغاية الشريفة النبيلة، وأحالتها على “هامش “الأعمال والاهتمامات لدى مجاميع من خيرة أبناء الوطن الأبرار وبناته، وكانت تلك أخطر الخسائر وأكثرها أضرارا.

ولا أتردد في القول: إننا مسؤولون مسؤولية جسيمة أمام الله تعالى أولا، ثم أمام المجتمع الجزائري في الانكفاء والتقاصر والإهمال في هذا العمل، وقد تبيّن للجميع كيف صارت الأمور، بعد تركنا لهذا الواجب الشرعي المتين، وكيف انتهى بنا المطاف مجتمعا بلا هُوية تقريبا. تتلاطمه أمواج العولمة والغوربة والانحراف والانفلات، ويعيش في بؤس نفسي ووجداني عميق وأليم، وكأنه بلا دين ولا روح أو يكاد.

وقد طرحتُ في سطور هذه الزاوية “شعاع” في العدد الماضي من “البصائر” ما يتصل بأسبوع الدعوة الإسلامية في الجزائر، وأريد أن أوضح بعضا من ملامحه في هذه السطور.

أـ ماهو مبرر ذلك؟

مبررات العودة إلى مجال الدعوة بمفهومها العريض الواسع كثيرة متنوعة، ومنها:

ـ ما وصل إليه المجتمع من تدهور في أخلاقه وسلوكه وتصوّراته قبل ذلك.

ـ ما نلحظه جميعا ونستنكره من “تمزق” في النسيج الاجتماعي، وتفاقم الجريمة، والانحراف، وشيوع الطلاق وسائر الرذائل، بمختلف ألوانها ومسمّياتها.

ـ سيطرة الأنانية وسائر الرذائل النفسية، من حسد ورياء وعُجب وتطاول وتظالم…إلخ. كلها أدواء لا دواء لها ـ في الصيدلياتـ وإنما دواؤها في الدعوة والرقائق وإعادة صياغة النفوس وتطييب القلوب.

ـ تفشي الكثير من المفاسد وضروب الجهل والأمية (الدينية خاصة) في أجيالنا الناشئة في مختلف المؤسسات التربوية والعلمية والاجتماعية والتكوينية، بما ينشر بشرور مستطيرة، في آماد قريبة.

ـ تباين الطبقات والفئات الاجتماعية وانفصام العُرى الإيمانية ـ الإسلامية بين فئات المجتمع، بل بين أفراد الأسرة والعائلة الواحدة، مما أفقد المجتمع وسائل قوته وحمايته وصيانة ميراثه الأخلاقي والمعنوي، بما يجعله أقرب إلى المجتمعات المنفلتة التي لا يرحم فيها أحد أحدا.

وغير هذا كثير من المبررات والمسوّغات التي تجعل الاهتمام بالدعوة ـ بمختلف مجالاتهاـ ضرورة عاجلة، وبالتالي يجعل العود إليها واجبا شرعيا وأخلاقيا أكيدا.

ولعل مما يشجع على ذلك وجود الآلاف من الدعاة والأساتذة والأئمة وأهل الفكر والدين، على تباعد في الرؤى بينهم، وقلة تنسيق وضعف تعاون، ولكنهم كأفراد موجودون في كل منطقة وولاية وبلدية.

ومن الضروي إيجاد سبل التعاون والتراحم بينهم، بالصيغ الشرعية المطلوبة؛ تعاونا على الخير والبرّ والتقوى والفضل وطاعة الله تعالى. وكذلك وجود هيئات رسمية وغير رسمية كثيرة تعين على هذا الأمر وتيسّره وتعززه. ولا أتردد في أن أقول: إن ذلك من موجبات وجود الدولة المسلة ذاتها. بمعنى آخر هنا لا أتردد في التأكيد على أن العمل الدعوي واجب شرعي في عنُق الدولة أولا؛ لأنها الوصيّ على المجتمع في أخلاقه وسلوكه وأعماله ورُشده واستقامته ورُقيّه، وأي تقصير سيُسأل عنه المسؤولون عن ذلك، كل بحسب موقعه ودرجته من المسؤولية. وبحسبان أن الدعوة هو حقل رعاية وتوجيه وتعليم وإرشاد وتصحيح وتصويب بطرق مختلفة، بما يحقق الأهداف النبيلة في المجتمع رقيّا وسموّا بأفراده وهيئاته. وإنما يدلّ ذلك في أقل ما يجب على الدولة أن تيسّر المهامّ المختلفة للداعين إلى الخير والإصلاح والصلاح، وتعزز مساعيهم بما يجب، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما تقرره القاعدة الأصولية.

تأتي في المرتبة الثانية؛ من حيث المسؤولية مختلف الهيئات ذات الصلة المباشرة من الجمعيات والكيانات والإدارات والمنظمات التي تجعل العمل الصالح أحد أهدافها الكبرى.

وتلحق بتلك الهيئات الأفراد من أهل الصلاح والعلم أيا كانت أوضاعهم ومواقعهم ومناصبهم ومهنهم، فهؤلاء جميعا ينبغي أن يكون لديهم ذلك القدر الكبير من الهمّة والاهتمام بهذا الشأن العظيم الجليل – شأن الدعوة إلى الله تعالى والتمكين لها في نسيج المجتمع في كل ميدان وحقل ومضمار. ولا أشك في أن ذلك سيدفع الأمور في اتجاه صحيح قوي تستعيد به هذه الشعيرة الأثيلة العظيمة دورها في إصلاح الحياة الإنسانية في مجتمعنا. وحتى لا يبقى الكلام مجرد تصوّرات، أحب أن أقترح صيغة مناسبة وواقعية وممكنة التحقيق، وتتمثل في إطلاق “أسبوع للدعوة الإسلامية في الجزائر” في كل الولايات، ببرنامج تحسيسي وتوعوي وتعريفي وتقريبي، تتشارك فيه كل الفئات، وكل الهيئات رسمية وغير رسمية، للخروج إلى المجتمع بصورة جديدة مشرقة تقرّبه إلى الصلاح والتقوى والرقيّ. وأيًّا كان العمل فسيكون بداية طيبة لمشروع يرمي إلى أخلقة المجتمع إلى ما يمكن أن يُسمّى بـ: “التوبة المجتمعية”؛ وإن حقّقنا الإخلاص لهذا سييسر الله تعالى أمر الباقي بما يعزز الأخلاق في المجتمع ويعيد إليه الوهج الإيماني، ويردعه عن الانخراط في المحرّمات رويدا رويدا.

هذه هي الفكرة، وقد تكون غير مكتملة الملامح بعدُ، ولكني على يقين أن إطلاقها في ذاتها سيكون بداية نوعية في مسارنا نحو مجتمع أكثر أمنا وأمانا وانسجاما. وقد دلت تجارب سابقة مثل”قافلة الدعاة” و”الأسابيع العلمية” في بعض المدن على إمكان تحقيق تغيير نوعي في العقول والنفوس.

نسأل الله تعالى أن يهيئ لنا من أمرنا رشدا. لستُ أشك في أن جمعيتنا الرائدة تقوم قدر مستطاعها بواجباتها في هذا الميدان، ولكنني أحببتُ أن أقول إن هذا الأمرـ الواجب هو أمر وواجب الجميع، دون استثناء، أعني طبعا من يؤمنون بالإسلام كمنهج رباني اختاره الله تعالى لعباده لتحقيق حياة كريمة طيبة مطيّبة.

فعسى إخواننا في كل الهيئات أن يتداعوا لمدارسة هذا الشأن العظيم الجليل الذي هو سبيل إلى مرضاة الله تعالى.

عن المحرر

شاهد أيضاً

تجربة صحيفة العقيدة أو كيف حُرم الجزائريون من تعلّم دينهم على الوجه الصحيح/ حسن خليفة

    قرأت كلمة كتبها البروفيسور عبد القادر نويري في حسابه (فايس بوك) قبل أيام …