الرئيسية | في رحاب الشريعة | المساجد والمصليات للتلازم والتوفيق بين الوظائف والعبادات/ محمد مكركب

المساجد والمصليات للتلازم والتوفيق بين الوظائف والعبادات/ محمد مكركب

من خصائص المجتمع الإسلامي، أنه يتألف من العابدين والعابدات، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة. ويعملون بالتكامل والتعاون، لعمارة الأرض بالخيرات، فهم لا يفرطون في الوظائف والحرف وسائر الواجبات المحققة للضروريات، كما أنهم لا يسهون عن وقت من أوقات الصلوات. ولتحقيق هذه المعادلة في حياة المسلمين والمسلمات القانتين والقانتات، لابد من العناية بالمساجد والمصليات. وهذا هو موضوع دراستنا اليوم معكم. ونحن نطلق كلمة المسجد في هذا المقال على كل جامع تقام فيه صلاة الجمعة، والمصليات هي الأماكن العامة الخاصة للصلاة (مساجد صغيرة) مخصصة للصلوات الخمس ولا تقام فيها الجمعة.

فالمصليات، أو مساجد الصلوات الخمس، يجب أن تكون في كل زاوية، وضاحية، وعمارة، وبجوار مصنع، أو إدارة، أو جامعة، ليسهل على الناس إقامة الصلوات في الوقت جماعة. إن المحافظة على الصلوات من بين أعظم الأعمال في عقيدة المسلم. قال الله تعالى: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [البقرة:238]؛ وفي الحديث: “يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون” (رواه مسلم).كتاب المساجد وموضع الصلاة، وفي الحديث: “مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا، كُلَّمَا غَدَا، أَوْ رَاحَ”، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: [الصَّلاَةُ عَلَى مِيقَاتِهَا]، قُلت: ثُم أيٌّ؟ قَالَ: [ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ]، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: [الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] (رواه البخاري. كتاب الجهاد والسير.رقم:2782).

لهذا كله قلنا: يستحب انتشار المصليات أي المساجد الخاصة بالصلوات الخمس في كل الأحياء، والعمارات، والمجمعات السكنية، والمناطق الصناعية، والثكنات، والأحياء الإدارية، ومقرات الوزارات، بما يكفي عدد العمال، وبجوار الأسواق العمومية، والجامعات، والمطارات، ومحطات السكك الحديدية، ومحطات الحافلات، والمنتزهات، وقرب الملاعب، ومحطات التزود بالطرق الكبرى، الأحياء الريفية، وأماكن الرعي حيث الرحل، وملتقيات المسافرين، ومعابر الحدود بين الدول.

وتكون هذه المصليات تحت إشراف وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، وتكلف لجانا متطوعين، للسهر عليها وتسييرها، وكل مجموعة من المصليات يشرف عليها بالتنسيق بين جمعياتها إمام مسجد جامع، وكثرة انتشار هذه المصليات في المدن والأحياء والطرق والمرافق مفيد جدا، لتحقيق التلازم والتوفيق بين الوظائف والعبادات. ولنعلم أن العناية بانتشار المصليات وحسن تنظيمها بمسافات قريبة ومعقولة، تأتي في درجة الأهمية قبل الصيدليات، والعيادات الطبية، إذ أن الطب الروحي قبل البدني. قال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً[الإسراء:82].

ويجب على أولي الأمر في الدول التي دينها الإسلام أن يأمروا الناس بالصلاة في وقتها، وتلزمهم بذلك، والأمر بالصلاة أمانة وأداؤها فرض واجب على الحكام. وفي الموطأ. روى مالك، عن نافع، مولى عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله: “إن أهم أمركم عندي الصلاة، من حفظها وحافظ عليها، حفظ دينه، ومن ضيعها، فهو لما سواها أضيع. ثم كتب: أن صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعا، إلى أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة، قبل غروب الشمس. والمغرب، إذا غربت الشمس. والعشاء، إذا غاب الشفق، إلى ثلث الليل. والصبح والنجوم بادية مشتبكة”. (الموطأ: وقوت الصلاة.رقم:9)؛ ولقد أتينا بهذا الحديث لبيان مدى اهتمام الحكام في الإسلام بالصلاة والزكاة، وقد علمتم أن أبا بكر ومعه الصحابة الكرام أجمعوا على قتال مانع الزكاة، فأغناهم دينهم عن الضرائب والخراج والإتاوات والمكوس. قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104].

وقد بين الله تعالى يا أمراء ورؤساء المسلمين أن دوام الملك، وحفظ التمكين، وبقاء قوة الدولة وهيبتها، وسيادتها، يكون بالمحافظة على الصلاة، وإتقان جمع وصرف الزكاة على الوجه المشروع بالتمام والكمال. مع سائر الأسباب، فاتقوا الله يا أولي الألباب، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:41]، هي تسع ضروريات لحياة الناس يفكر فيها المسؤولون قبل وضع الأسس الأولى لعمارة سكنية. وهي:

1 ـ المصلى، أو المسجد الجامع.

2 ـ المدرسة الكافية لكل طفل.

3 ـ المكتبة العامرة بالمعارف.

4ـ المستشفى المتكامل بكل الاختصاصات.

5ـ الطرق ومحطات المواصلات مضبوطة بالدقيقة.

6ـ الماء الكافي لكل ساكن.

7ـ الكهرباء.

8ـ السوق الحضارية المنتظمة الشاملة.

9ـ المصرف المالي.

المساجد الجامعة، لصلاة الجمعة، هي المساجد الكبيرة التي تقام فيها صلاة الجمعة والصلوات الخمس معا، هذه المساجد الجامعة القطبية، يستحب أن تكون قليلة العدد، ولكنها كبيرة واسعة كافية، في مناطق  استراتيجية، ليجتمع أهل المدينة أو القرية أو المنطقة كل جمعة في لقاء شعائري أسبوعي، وكأنهم في حج روحي. لذلك قلت يستحب أن تكون قليلة لكي لا تنقسم الجماعات والأحياء، ولا نريد القلة التي لا تكفي بالطبع. وأن يشعر الناس يوم الجمعة بأنهم يسعون إلى استجابة النداء الإلهي، وكأنهم في عيد. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الجمعة:9] .يختار لها المكان الواسع في قلب المدينة والقرية أولا، ثم في الضواحي العامرة، بأن تتراوح المسافات بينها بنحو ثلاثة إلى أربعة كيلومتر، حسب المناطق العمرانية، وقلت بأن المصليات تتقارب وتتكاثر.

وعندما تُشَيَّد الجوامعُ الجامعةُ للجُمَع، وتتسع لكل القاطنين، ويقل العدد، تتحسن النوعية في الخدمات، بدءا من الأئمة، إلى المؤذنين، إلى قدرات اللجان الدينية، إلى الحراسة، إلى دوام فتح المساجد الجامعة ليل نهار. فالقرية التي يبلغ عدد سكانها ثلاثين ألفا مثلا يكفيها ثلاثة مساجد جامعة إلى أربعة فقط، حسب المنطقة الجغرافية، ويكون لكل مسجد جامع إمامان أو ثلاثة، يتداولون على الإمامة، والتدريس، والإفتاء اليومي على مدار ساعات النهار. وهذه المساجد تزود بالحراسة وتفتح باستمرار، فهي بيوت الله لكل عباد الله في كل أوقات الله تعالى، بالليل والنهار، وعندما يدخل المسافر المدينة أو القرية أول ما يقصد بيوت الله، والتي يكون بالقرب منها بيت السبيل لابن السبيل الذي وصى به الله تعالى.

فالأصل عندما يفكر المهندسون المسلمون في بناء مدينة أولا، يفكرون في مكان المسجد الجامع الذي يكون المحور الأساس، والذي يتوسط المدينة، وهو ملك العمران، بشموخ مآذنه، وبروز مداخله، ومعالم موقعه، وشكله المتميز في الجلال والجمال. فتكون شوارع المدينة موازية ومقابلة للقبلة، كأنها صفوف المصلين نحو القبلة، بحيث لو وقف صف من الناس من أول الشارع إلى آخره وتوجهوا نحو القبلة لكانوا في الاتجاه الصحيح كأنهم في صف صلاة في المسجد. هذا شرط من شروط هندسة المدينة.

ومن مقتضيات المدن الحضارية، التفكير في الحظائر الكافية للسيارات. كما أذكرك بأنه من علامات التحضر النظافة، والإتقان، والإنجاز، والخدمات، وأن تكون المدينة بكل مرافقها مفتوحة على مدار الساعة مرحبة بكل ضيف قادم، وبالطبع فإن هذا الكلام للمتحضرين، الذين يعيشون الحضارة العصرية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

في ذكـرى مــولد خيــر البريــة/ د. يوسف جمعة سلامة

 تهفو نفوس المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها دوماً إلى شهر ربيع الأول من كل عام، …