الرئيسية | وراء الأحداث | البرلمان الفرنسي … من تمجيد الاستعمار إلى محاولة تجريم الثورة !/عبد الحميد عبدوس

البرلمان الفرنسي … من تمجيد الاستعمار إلى محاولة تجريم الثورة !/عبد الحميد عبدوس

 

بعد مرور 63 سنة على اندلاع ثورة التحرير الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي (نوفمبر 1954) وبعد مرور 55 سنة على استعادة الاستقلال الوطني، مازالت فرنسا متمسكة برفض تقديم الاعتذار للشعب الجزائري وتقديم التعويضات المترتبة عن احتلالها للجزائر لمدة 132عاما .

في عام 2011 أعرب فرانسوا هولاند الذي كان مرشحا لرئاسة الجمهورية في حديث مع مجلة (جون أفريك) عن أمله في أن تعتذر فرنسا للجزائر عن ماضيها الاستعماري، ولكنه بعد أن زار الجزائر في سنة 2012 بصفته رئيسا لفرنسا، رفض فكرة الاعتذار، واكتفى بالاعتراف بالمعاناة التي تسبب فيها الاستعمار الفرنسي للشعب الجزائري. غير أن فرنسوا هولاند اعترف في جويلية 2012 بمسؤولية الدولة الفرنسية عن الجرائم المرتكبة ضد اليهود في فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية قائلا: “تلك الساعات السوداء تلطخ إلى الأبد تاريخنا، وتهين ماضينا، وتقاليدنا. والحقيقة هي أن هذه الجرائم ارتكبت في فرنسا من قبل الدولة الفرنسية”.

كان يجب انتظار أكتوبر من سنة  2016 حتى يعترف المترشح لرئاسة فرنسا إيمانويل ماكرون خلال زيارته الجزائر بالقول: “إن الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي. إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية، إنه وحشية حقيقية وهو جزء من هذا الماضي الذي يجب أن نواجهه بتقديم الاعتذار لمن ارتكبنا بحقهم هذه الممارسات”. وبعد ستة أشهر من وصول إيمانويل ماكرون إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية أسدل ستار التجاهل والإهمال على قضية “الاعتذار” عن الجرائم الفرنسية للجزائر.

وأمام مطلب الجزائر لمعالجة جراح الذاكرة التاريخية، يتعلل الجانب الفرنسي دائما بأن العلاقة بين الجزائر وفرنسا يجب أن تتحرر من إرث الماضي، وتتطلع إلى المستقبل، ولكن الجانب الفرنسي ما فتىء يصر على فرض وجهة نظره للتاريخ، ومازالت الحكومات الفرنسية إلى يومنا تستثمر سياسيا في تاريخ العلاقة بين الجزائر وفرنسا من خلال منهجية تتدرج من تمجيد الاستعمار الفرنسي في القانون الذي صادقت عليه الجمعية الوطنية الفرنسية ( البرلمان) في سنة 2005، إلى محاولة تجريم الثورة الجزائرية، حيث بدأ البرلمان الفرنسي في عهد فرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون بمحاولة تمجيد الحركى وتجريم الثورة .

ففي 5 أفريل 2016، تمت إحالة مقترح قانون على لجنة الدفاع للقوات المسلحة بالبرلمان الفرنسي يهدف إلى تمجيد الخونة للثورة الجزائرية المعروفين باسم “الحركى”، وتمكينهم من التعويض المادي والمعنوي من طرف الأمة الفرنسية، التي وجب عليها الاعتراف بمسؤوليتها في إهمالهم.

وجاء في مقترح القانون الذي قدمه ووقع عليه 84 نائبا فرنسيا من مختلف التشكيلات السياسية، أن الأمة الفرنسية تعترف بمسؤولية الدولة الفرنسية في الإهمال، وزعم مشروع القانون أن الحركى وعائلاتهم تعرضوا “لمجازر” عشية استقلال الجزائر، وتم فيما بعد تكديسهم في محتشدات بفرنسا.

إن فرنسا التي تريد من الجزائر التي فقدت قرابة 6 ملايين من أبنائها ضحايا الجرائم الفرنسية خلال احتلالها للجزائر طوال 132 سنة أن تتسامح مع مرتكبي الجرائم من الخونة والعملاء، هي فرنسا نفسها التي أنزلت أشد العقاب بالفرنسيين الذين تعانوا مع المحتل النازي، ووصل الأمر إلى حد حلق شعور النساء اللواتي أقمن علاقات مع الجنود النازيين وسحلهن في الشوارع وقتلهن بلا رحمة. ومازالت تهمة التعامل مع المحتل النازي تعرض صاحبها للعار والاستهجان والعقاب.

وفي 21 ديسمبر 2016 قدم 15 نائبا فرنسيا مشروع قانون جديد لرئاسة الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) يعترف بمسؤولية فرنسا في التخلي عن المرحلين من الجزائر أو من يعرفون بفرنسيي الجزائر من أقدام سوداء وغيرهم، بعد التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في إيفيان، واتهم الجزائر صراحة بارتكاب ما زعم أنها مجازر وتعذيب واغتصاب وابتزاز واضطهاد في حق من سماهم فرنسيي الجزائر غداة الاستقلال في 5 جويلية 1962.

وورد في نص مشروع القانون: “المجازر التي تعرض لها مواطنون فرنسيون التي أعقبت وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962 لا تحتاج إلى أن يتم إظهارها وإبرازها، لقد كانت هناك اغتيالات عديدة وعمليات اضطهاد، واغتصاب وتعذيب ونهب واختطاف، وإلى اليوم بقيت من دون أي عقاب، والدولة الفرنسية اختارت ألا تحمي مواطنيها وهذا القرار وجب أن يتم تصليحه”.

والحقيقة أن الجزائر منحت في اتفاقيات إيفيان كل الحقوق للفرنسيين المولودين أو المقيمين في الجزائر الذين لم يرتكبوا جرائم، وخيرتهم بين الجنسية الجزائرية أو الجنسية الفرنسية.

وفي 19 مارس 1969 أدلى الرئيس الراحل هواري بومدين الذي كان من أقل ضباط الثورة الجزائرية توافقا مع الاحتلال الفرنسي، والذي كان من المعارضين لاتفاقيات إيفيان بصفته قائدا لأركان جيش التحرير الوطني بتصريح للأسبوعية الفرنسية (لونفال أوبسرفاتور) قال فيه: “لقد فقدنا مليونين من الجزائريين، مليون من الأموات (الشهداء) ومليون من الذين غادروا البلاد (الأقدام السوداء)”.  أي أن الجزائر كانت تعتبر الأقدام السوداء الذين غادروا الجزائر بإرادتهم ولأسباب تخصهم هم من أبناء الجزائر الذين فقدتهم بعد الاستقلال .

وفي 27 سبتمبر 2017 قدمت مجموعة نواب فرنسيين مشروع قانون للجمعية الوطنية يزعمون فيه أن الجزائريين ارتكبوا ما سموه “مجازر مروعة وعمليات انتقام وإعدام علنية بالساحات العامة”، في حق الفرنسيين والأوروبيين بمدينة وهران في 5 جويلية 1962، مطالبين الدولة الفرنسية بالاعتراف.

وفي عرض الأسباب قال أصحاب المبادرة إن تاريخ هذا اليوم -5 جويلية 1962- كتب بدماء أبرياء تم سحلهم في الساحات العامة وقتلوا بالبنادق والسكاكين، مشيرين إلى أن الشهادات التي تم جمعها تفيد بقتل المئات بل الآلاف من الفرنسيين والأوربيين في ذات اليوم بوهران، التي كان فيها 100 ألف فرنسي عند إعلان استقلال الجزائر. وبعد قرابة شهر من ذلك، أي في 17 أكتوبر 2017 قدم  مشروع قانون جديد، يتهم الجزائر بارتكاب مجازر وعمليات تقتيل وانتقام بحقّ الحركى غداة الاستقلال.

وجاء في  نص مشروع القانون، أن نحو 70 ألف حركي تم التخلي عنهم من طرف السلطات الفرنسية بعد اتفاقيات ايفيان، وكانوا ضحايا لاعتداءات دموية وعمليات انتقام من طرف الوطنيين الجزائريين، ليتم لاحقا استقبال 60 ألفا منهم في مراكز للتجميع بفرنسا.

هذا من الجانب الفرنسي، الذي يحرص على إعادة الاعتبار لفئة الحركى، وتحميل مجاهدي جبهة التحرير الوطني مسؤولية اقتراف جرائم دموية ضد الحركى أثناء حرب التحرير وبعد خروج الجيش الفرنسي من الجزائر.

أما من الجانب الجزائري فبعد محاولة قصيرة ويتيمة قام بها بعض نواب البرلمان الجزائري في سنة 2012 لمحاولة استصدار قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، فقد تم تجميد المحاولة وسحب مشروع القانون بعد تدخل الحكومة بل إن رئيس اللجنة الاستشارية لترقية حقوق الإنسان سابقا فاروق قسنطيني اعتبر في تصريح للإذاعة الوطنية سنة 2012، بأن مطالبة فرنسا بتعويض الجزائريين أمر لا طائل منه، بحجة أن هذه القضية سقطت بحكم التقادم، وهو أمر يدعمه القانون الدولي حسبه: كما ادعى وزير الخارجية الفرنسي الأسبق بيرنارد كوشنير بأن رحيل جيل الثورة من المجاهدين كفيل بتطبيع العلاقات بين الجزائر وفرنسا وإسقاط مطلب تقديم الاعتذار !

عن المحرر

شاهد أيضاً

عبان رمضان هذا البطل المفترى عليه!/ عبد الحميد عبدوس

ذكر الكاتب والباحث في قضايا التاريخ الوطني، بلعيد رمضان ابن أخي الشهيد عبان رمضان في …